أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

244

شرح مقامات الحريري

ليخرج ، فأبطأ ، فقلت لسعيد الجوهريّ وهو في حجرة : إن هذا الفتى قد اشتغل بالبطالة ، فقال سعيد : قوّمه بالأدب ، فلما خرج ضربته ثلاث درر ، فإنه ليبكي إذا بجعفر بن يحيى قد استأذن عليه ، فوثب إلى فراشه مسرعا ، وهو يمسح عينيه ، فجلس ثم قال : ليدخل ، فدخل ، فقمت من المجلس وخشيت أن يشكوني إلى جعفر ، فألقى منه ما أكره ، فأقبل عليه بوجه طلق وحادثه وضاحكه ، فلما همّ بالحركة قال : يا غلام ، دابّته ، ورجعت . فقال : ما حملك أن قمت عنا ! فقلت : خفت أن تشكوني إليه فيوبّخني ، فقال : إنا للّه يا أبا محمد ! ما كنت أطلع الرشيد على هذا ، فكيف أطلع جعفرا على أني أحتاج إلى أدب ! يغفر اللّه لك . فكنت أهابه بعد ذلك . وشكي إلى معلم عبد الرحمن بن حسان بصبيان ، فضربهم حتى انتهى إلى عبد الرحمن ، فهدّده فقال : [ البسيط ] اللّه يعلم أنّي كنت معتزلا * في دار حسّان أصطاد اليعاسيبا فتركه . وبلغ حسان ، فضمّه إليه وقال : أنت واللّه ابني حقّا فداك أبي وأمي ! . ودخل عليه يوما يبكي من لسعة زنبور ، فقال له : ما يبكيك ؟ فقال : لسعني طائر كأنه ملتفّ في بردى حبرة ، فقال : قلت واللّه يا بنيّ الشعر . وجاءت سكينة بنت الحسين أمّها الرباب وهي تبكي ، فقالت : ما لك ؟ فقالت : سربت بي طويرة فلسعتني بأبيرة . ويروى : مرّت بي دبيرة ، تصغير دبرة وهي النحلة . * * * قوله : اللجيّ : البحر . شواظ : لهب النار . والكهانة : بالكسر : حرفة الكاهن ، وبالفتح فعل الكاهن ، وهو المصدر ، والكاهن : المخبر بالغيب . وافترّ : تبسّم . متضاحك : مستعمل الضحك . مماحك : لجوج ، أي مشى غير غاضب . احفظها عني ، أي حصّلها وعها . وعليّ ، أي اكتمها واسترها ، وقامت الواو مقام تكرير الفعل . اصرف : أزل ونحّ . صرف الراح : خالص الخمر الأسى : الحزن . تكتئب : تهتم وتحزن . قدك : حسبك . اتّأب : ارتجع وكفّ وقيل : معناه استحي ، يقال منه : وأب واتّأب ، أي خزي واستحيا والإبة والمؤبة : الخزي والحياء والانقباض ، وأوأبه واستآبه : ردّه بخزي وعار ، والتاء فيها مبدلة من واو ، فأصل اتّأب أوتأب فأبدلت الواو تاء وأدغمت في التاء بعدها ، وهي من وأب الحافر يئب وأبا إذا انضم . وحافر وأب ، أي خفيف ، والتؤبة مأخوذة من أتأب : وقال حبيب : [ الكامل ] قدك اتّأب أربيت في الغلوا * كم تعذلون وأنتم شجوى