أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

239

شرح مقامات الحريري

وسلّم تسليم البشاشة عليّ ، ثم قال : أراقك ذكاء ذاك الشّويدن ؟ فقلت : إي والمؤمن المهيمن ؛ قال : إنّه فتى السّروجيّ ، ومخرج الدّرّ من اللجّيّ . فقلت : إنّك لشجرة ثمرته ، وشواظ شررته . فصدّق كهانتي ، واستحسن إبانتي . ثمّ قال : هل لك في ابتدار البيت ؛ لنتنازع كأس الكميت ؟ فقلت له : ويحك ! أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 44 ] ، فافترّ افترار متضاحك ، ومرّ غير مماحك . ثمّ بدا له أن تراجع إليّ ، وقال : احفظها عنّي وعليّ : [ السريع ] اصرف بصرف الرّاح عنك الأسى * وروّح القلب ولا تكتئب وقل لمن لامك فيما به * تدفع عنك الهمّ : قدك اتّأب قوله : ارتحت ، أي اشتهيت وطربت . أعجمه : أخبره . مترجمه : ملتبسه . يشتد : يجري . سمته : طريقه . يفتق رتق : يشقّ غلق . صمته : مبهم أمره والفتق : الخرق ، والرّتق : الإغلاق ، وهو ضدّه ، وذلك أن يضمّ المتخرّق بعضه إلى بعض . التّناجي : التّحادث . لفت جيده : عطف عنقه . البشاشة : الخفّة وإبداء السرور . أراقك ؟ : أأعجبك ؟ ذكاء : حذق ، والذّكاء : توقّد الذهن . الشّويدن : تصغير شادن ، وأراد ابنه . والمؤمن المهيمن ، هو اللّه تعالى ، والإيمان : التصديق . وقال أبو بكر بن العربي : البارئ تعالى مؤمن بتصديقه لنفسه بقوله ، وذلك حقيقته ، قال اللّه تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] ، أو بتصديقه لرسله بإظهار المعجزة ، أو لأوليائه بإظهار الكرامة ، وهما مجازان ، والمهيمن : الرقيب الحافظ . الكسائي : المهيمن : الشهيد . أبو عبيدة : الرقيب ، وقد هيمن هيمنة . ابن الأنباري : القائم على خلقه ، قال الشاعر : [ الطويل ] ألا إنّ خير الناس بعد نبيهم * مهيمنه التّاليه في العرف والنّكر « 1 » أي القائم على الناس بعده ، وأصله « مؤيمن » فأبدلوا من الهمزة هاء كما قالوا : أرقت وهرقت . وفي مثل مدح هذا الغلام بالذكاء قال الفضل بن جعفر : [ الطويل ] فإن خلّفته السنّ فالعقل بالغ * به رتبة الكهل المرشّح للمجد فقد كان يحيى أوتي الحكم قبله * صبيّا وعيسى كلم النّاس في المهد وقال البحتريّ : [ البسيط ] لا تنظرنّ إلى العبّاس من صغر * في السنّ وانظر إلى المجد الّذي شادا « 2 »

--> ( 1 ) البيت بلا نسبة في لسان العرب ( همن ) ، وتهذيب اللغة 6 / 334 . ( 2 ) البيتان في ديوان البحتري ص 610 ، وفيه « لا تنظرنّ إلى الفياض » بدل « لا تنظرنّ إلى العباس » .