أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

223

شرح مقامات الحريري

المقامة الحادية والأربعون وهي التّنّيسيّة حدّث الحارث بن همّام قال : أطعت دواعي التّصابي ، في غلواء شبابي ؛ فلم أزل زيرا للغيد ، وأذنا للأغاريد ؛ إلى أن وافى النّذير ، وولّى العيش النّضير ؛ فقرمت إلى رشد الانتباه ، وندمت على ما فرّطت في جنب اللّه ، ثمّ أخذت في كسح الهنات بالحسنات ، وتلافي الهفوات قبل الفوات ؛ فملت عن مغاداة الغادات ، إلى ملاقاة التّقاة ، وعن مقاناة القينات ، إلى مداناة أهل الدّيانات ، وآليت ألّا أصحب إلّا من نزع عن الغيّ ، وفاء منشره إلى الطّي ، وإن ألفيت من هو خليع الرّسن ، مديد الوسن ، أنأيت داري عن داره ، وفررت عن عرّه وعاره . * * * أطلعت دواعي التّصابي ، يقال : أطعت كذا ، وطعت له ، أي انقدت . والمطيع : المنقاد ، والتّصابي : التّظاهر بالصّبا والتشاغل به . ودواعيه : ما يدعوه إليه ، وغلواء الشباب : أوله وسرعته ، أراد : ملت إلى اللهو واللعب في أوّل شبابي ، فلمّا أتى الشيب أحببت الرجوع إلى الخير . زيرا : كثير الزيارة . والغيد : جمع غيداء ، وهي اللّينة العنق والمفاصل من النّعمة . أذنا للأغاريد ، أي كثير الاستماع للغناء ، وفلان أذن ، إذا كان يستمع من كلّ قائل ، ويقبل منه . وافى : أتى ، والنّذير : الشيب ، لأنه منذر الإنسان بتمام العمر ، أي يعلمه . ولّى : رجع وزال . النّضير : الناعم ، يريد زمن الشّباب . ونؤخّر ذكر الشيب ، فإنه يؤدّي إلى تغيير شرح المقامة ، ونتكلم هنا على ذهاب الشّباب . [ البكاء على ذهاب الشباب ] قال أبو عمرو بن العلاء : ما بكت العرب شيئا ما بكت الشباب ، وما بلغت به ما يستحقّه . الأصمعيّ : من أحسن ألفاظ الشعر المراثي والبكاء على الشباب ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الدنيا العافية ، والشباب الصحة .