أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
221
شرح مقامات الحريري
تعالى : حِجاباً مَسْتُوراً [ الإسراء : 45 ] ، أي ساترا . وكقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [ مريم : 61 ] . وأما قوله : « أطيش من طامر » ، فالمراد به البرغوث ؛ ويسمّى طامر بن طامر ؛ لكثرة وثوبه . وأما قوله القاضي : « أراكما شنّا وطبقة ، وحدأة وبندقة » ، فإنه أراد به أن كلّا منكما كفء لصاحبه وقاوم له . ولكل من المثلين تفسير مختلف فيه . أما شنّ وطبقة ؛ فإن العلماء مختلفون في معنى قولهم : « وافق شنّ طبقة » ، فقال الأكثرون : إنّهما قبيلتان ؛ فشنّ هو ابن أفضى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار . وطبقة حيّ من إياد ؛ وكانت طبقة لا تطاق ، فأوقعت بها شنّ ، فانقصفت منها . وقال بعضهم : كان شنّ رجلا من دهاة العرب ، وكان ألزم نفسه ألّا يتزوّج إلّا بامرأة تلائمه ، فكان يجوب البلاد في ارتياد طلبته ، فصاحبه رجل في بعض أسفاره ، فلمّا أخذ منهما السّير ، قال له شنّ : أتحملني أم أحملك ؟ فقال له الرجل : يا جاهل وعلى يحمل الرّاكب الراكب ! فأمسك وسارا حتى أتيا على زرع ، فقال له شنّ : أترى هذا الزّرع أكل أم لا ؟ فقال له : يا جاهل ، أما تراه في سنبله ! فأمسك إلى أن استقبلتهما جنازة ، فقال له شنّ : أترى صاحبها حيّا أم لا ؟ فقال : ما رأيت أجهل منك ، أتراهم حملوا إلى القبر حيّا ! ثمّ إنهما وصلا إلى قرية الرجل ، فصار به إلى منزله ، وكانت له بنت تسمّى طبقة ، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه ، فقالت له : ما نطق إلا بالصواب ، ولا أستفهمك إلا عما يستفهم عن مثله ذوو الألباب . أما قوله : أتحملني أم أحملك ، فإن أراد : أتحدّثني أم أحدّثك ، حتّى نقطع الطريق بالحديث . وأما قوله : أترى هذا الزرع أكل أم لا ؟ فإنه أراد : هل استسلف أربابه ثمنه أم لا ! وأمّا استفهامه عن حياة صاحب الجنازة ، فإنّه أراد به : فخلّف عقبا يحيا ذكره به أم لا . فلمّا خرج إلى الرّجل حدّثه بتأويل ابنته كلامه ، فخطبها إليه ، فزوّجه إياها ، فلمّا سار بها إلى قومه وخبروا ما فيها من الدّهاء والفطنة قالوا : وافق شنّ طبقة ، فسار مثلا . وحكي عن الأصمعيّ ، سئل عن تفسير هذا المثل فقال : أظنّ أنّ الشّن وعاء من أدم كان قد استشنّ ، فلمّا اتّخذ له غطاء وافقه ، ضرب فيه هذا المثل . وأمّا حدأة وبندقة ؛ فإنّه يقال في المثل المضروب لمن يفزع بعدوّه أو يبلى بنظيره : حدأ حدأ أو وراءك بندقة ؛ وكان الأصل حدأة بإثبات الهاء ، فرخّم في النداء وقد اختلف في المراد بهما ، فقيل : الحدأة هو الطائر المعروف ، وبندقة الرامي . وقيل : إنهما قبيلتان من سعد العشيرة ، فأغارت حدأة - وكانت تنزل بالكوفة - على بندقة ، وكانت تنزل باليمن ، فنالت منهم ، ثمّ كرت بندقة على حدأة فأنحت عليهم . وروى بعضهم هذا المثل : حدا حدا ، غير مهموز ، على مثال عصا وقفا ، وزعم أنّه اسم القبيلة .