أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

220

شرح مقامات الحريري

وقوله : « أكذب من سجاح » يعني الّتي تنبّأت في عهد مسيلمة الكذاب ، وسارت إليه لتناظره وتختبره ثم آمنت به ، ووهبت نفسها له ؛ وهذا الاسم ، مبنيّ على الكسر ، مثل حذام وقطام ، لكونه من الأسماء المعدولة ، واشتقاقه من السّجاحة ، وهي السّهولة ، ومن قولهم : ملكت فأسجع . وقولها : « أكذب من أبي ثمامة » ، هذه كنية مسيلمة الكذاب ، وكان تنبّأ باليمامة . ومخرق بها ، إلى أن سار إليه خالد بن الوليد رضي اللّه عنه فقتله . وقوله : « لا نعم عوفك » . العوف : الحال ، والعوف أيضا الذّكر ، ويدعى للباني على أهله فيقال له : « نعم عوفك » . وقوله : « يا دفار يا فجار » . هذان الاسمان معدولان من دافرة وفاجرة ، والدّفر : النّتن ؛ وبه سمّيت الدّنيا أم دفر ؛ وكلّ ما سمّي بصفة غالبة ، ثم عدل بها إلى « فعال » ، بني على الكسر عند النداء ، كقولك : يا لكاع يا خباث ، يا دفار يا فجار ، ولا يجوز استعمال ذلك في غير النداء إلّا في ضرورة الشعر ، كقول الحطيئة : [ الوافر ] أطوّف ما أطوّف ثم آوي * إلى بيت قعيدته لكاع « 1 » وأما قوله : « أحمق من رجلة » ، فهي ضرب من الحمض تنبت في جاري السّيل فيجرفها . وأمّا قولها : « الأم من مادر » ، فهو رجل من بني هلال بن عامر ؛ كان اتّخذ حوضا لسقي إبله ، فلمّا رويت سلح فيه ، ومدره بسلحه ؛ لئلا ينتفع به من بعده . وأما قولها : « أشأم من قاشر » ؛ فإنّه فحل كان في قبائل سعد بن زيد بن مناة بن تميم ، ما طرق إبلا إلّا ماتت . وقيل : المراد به العام المجدب ، وسمّي قاشرا لقشره ما على وجه الأرض من النبات . وأما قولها : « أجبن من صافر » ، فقد اختلف في تفسيره ، فقال بعضهم : عنّى به كل ما يصفر من الطير ، وخصّ بالجبن لكثرة ما يتّقيه من جوارح الجوّ ومصايد الأرض . وقيل : إنّه طائر بعينه ؛ إذا جنّه الليل تعلّق ببعض الأغصان ، ولم يزل يصفر طول ليلته خوفا على نفسه من أن ينام فيؤخذ . وقيل : إنه الذي يصفر بالمرأة لريبة وهو يجبن وقت صغيره مخافة أن يظهر على أمره . وقيل : إنّ المراد به في المثل المصفور به ؛ وهو الّذي ينذر بالصّفير ليهرب ، فعلى هذا القول فاعل هنا بمعنى مفعول ، كقوله تعالى : مِنْ ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] أي مدفوق وكقولهم : راحلة بمعنى مرحولة ، وهو كثير في كلامهم ، وقد جاء « مفعول » بمعنى « فاعل » ، كقوله

--> ( 1 ) البيت في ملحق ديوان الحطيئة ص 156 ، والدرر 1 / 254 ، وهو لأبي الغريب النصري في لسان العرب ( لكع ) ، وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص 76 .