أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
210
شرح مقامات الحريري
ثم التفت إلى الفضل ، فقال : أوجب ؟ قال : وجب ، قال : أزيدك ، قال ذلك لأمير المؤمنين ، قال : قول الأعرابيّ : [ الطويل ] به ضرب أنداد العطايا كأنّه * ملاعب ولدان تحطّ وتمضغ ثم التفت إلى جعفر ، فقال : أوجب ؟ قال : وجب ، قال : أزيدك ، قال : لأمير المؤمنين علوّ الرأي ، قال : قول عديّ بن الرقاع : [ الكامل ] تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه * قلم أصاب من الدّواة مدادها « 1 » فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا بيت حسد عديّا عليه جرير ، قال : وكيف ذلك ؟ قلت : زعم أبو عمرو بن العلاء أن جريرا قال : لما ابتدأ عديّ ينشد : [ الكامل ] * عرف الدّيار توهّما فاعتادها « 2 » * فقلت في نفسي : ركب واللّه مركبا صعبا ، سيبدع فيه ، فما زال يتخلّص من حسن إلى حسن ، إلى أن قال : [ الكامل ] * تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه * فرحمته ، وظننت أن مادته تقصر به ، فلما قال : [ الكامل ] * فلم أصاب من الدّواة مدادها * حالت الرحمة حسدا ، فقال : للّه أبوك يا أصمعيّ ؟ ثم أطرق ورفع رأسه ، وقال : أتراك تعينني في انحطاطك في هواي ؟ فقلت : كلا يا أمير المؤمنين ، إنّك لتجل عن ذلك ، قال : انظر خمسا ، قلت : قد نظرت ، قال : فالسّبق لمن ؟ قلت : لأمير المؤمنين ، قال : فقد أسهمت لك في العشر والعشر كثير ، ثم رمى بطرفه إلى يحيى ، وقال : المال الساعة ، وأولى لك ! فما كان ساعة حتى حضرت البدر بيني وبينه ، ورأيت ضوء الصبح قد غلب على ضوء الشمع ، فأشار إلى خادم على رأسه ، كم هي ؟ فقال : ثلاثة آلاف ألف درهم ، فقال : دونك احتمل ثلاثين ألفا إلى منزلك ، ونهض عن مجلسه ، وأمر الخدم ، بمعاونتي على حمله ، فكانت أسعد ليلة ابتسم فيها الصباح عن أحد بالغنى . فهذه الحكاية تدلّك على تبحره في علوم العربية وسعة حفظه . * * * تبع ابن الرّمادي عنترة في قوله : « وخلا الذباب » بقوله : [ الطويل ]
--> ( 1 ) البيت في ديوان عدي بن الرقاع ص 35 ، ولسان العرب ( بلد ) ، ( قرش ) ، ( زجا ) . ( 2 ) عجزه : من بعد شمل البلى أبلادها والبيت في ديوان عدي بن الرقاع ص 33 ، ولسان العرب ( بلد ) ، والأغاني 1 / 290 .