أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
209
شرح مقامات الحريري
كادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا * لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت * على كلّ ضوء والملوك كواكب قال : فكأنّي واللّه ألقمت جعفرا حجرا . فاهتز الرشيد فوق سريره ، وكاد يطير عجبا وطربا ، وقال : واللّه ، لله درّك يا أصمعيّ ، اسمع الآن ما كان وقع عليه اختياري ، فقال : ليقل أمير المؤمنين أحسن اللّه توفيقه ، فقال : عيّنت على ثلاثة أشعار ، أقسم باللّه إني أملك السبق بأحدها ، فقال يحيى : خفّض على هينتك ، فأبى اللّه إلا أن يكون لك الفضل ، ثم قال الرشيد : أتعرف يا أصمعيّ تشبيها أفخر وأعظم في أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض ، من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق ، ولا نازعه منازع ، ولا طمع في مجاراته طامع ، حين شبّه ذباب الرّوض العازب في قوله : [ الكامل ] وخلا الذباب بها فليس ببارح * غردا كفعل الشّارب المترنّم « 1 » هزجا يحكّ ذراعه بذراعه * فعل المكبّ على الزّناد الأجذم ثم قال : يا أصمعيّ هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج ، شبّهت بالريح العقيم التي لا تنتج ثمرة ، ولا تلقح شجرة ، فقلت : كذلك هو يا أمير المؤمنين ، وبمجدك آليت ما سمعت قطّ أحدا يصف شعرا بأحسن من هذه الصفة ، ولا استطاع بلوغ هذه الغاية ، فقال : مهلا ، لا تعجل أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ناقته ، أو تعلم قبله أو بعده شبّه تشبيهه حيث يقول : [ الطويل ] ترى بين لحييها إذا ما ترغّمت * لغاما كنسج العنكبوت الممدّد « 2 » فقلت : واللّه ما علمت أحدا تقدّمه إلى هذا التشبيه ، أو أشار إليه بعده ولا قبله ، قال : أتعرف بيتا أبدع وأوقع من تشبيه الشّماخ لنعامة سقط ريشها ، وبقي أثره في قوله : [ البسيط ] كأنّما منثنى أقماع ما مرطت * من العفاء بليتيها الثّآليل « 3 » فقلت : لا واللّه يا أمير المؤمنين ، فالتفت إلى يحيى ، فقال : أوجب ، فقال : وجب ، فقال : أأزيدك ؟ فقال : وأيّ خبر لم يزدني منه أمير المؤمنين ! قال : وقول النابغة الجعديّ : [ الطويل ] رمى ضرع ناب فاستهلّ بطعنة * كحاشية البرد اليماني المسهّم « 4 »
--> ( 1 ) البيتان في ديوان عنترة ص 197 ، والبيت الأول في أساس البلاغة ( هزج ) ، والبيت الثاني في لسان العرب ( قدح ) . ( 2 ) البيت في ديوان الحطيئة ص 49 ، ولسان العرب ( رغم ) ، وتاج العروس ( رغم ) . ( 3 ) البيت في ديوان الشماخ ص 278 . ( 4 ) البيت في ديوان النابغة الجعدي ص 143 .