أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
204
شرح مقامات الحريري
حدث الأصمعيّ قال : استدعاني الرّشيد في بعض الليالي ، وقد تصرّمت قطعة من الليل ، فراعتني رسله ، ولم أفتأ أن مثلت بين يديه ، وإذا في المجلس يحيى بن خالد وجعفر والفضل ، فلمّا لحظني الرشيد استدناني ، فدنوت منه فتبيّن ما لبسني من الوجل ، فقال لي : ليفرخ روعك ، فما أردناك إلا لما يراد له مثلك ، فمكثت هنيهة إلى أن ثابت إليّ نفسي بعد أن كادت تطير شعاعا ، فقال : إني نازعت هؤلاء القوم في أشعر بيت قالته العرب في التّشبيه ، ولم يقع إجماعنا على بيت ، فأردناك لفصل هذه القضية ، واجتناء ثمرة الخطار فيها فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن التعبين على بيت واحد في نوع واحد - قد وسعت العرب فيه ، وجعلته معلما لأفكارها ، ومستراحا لخواطرها - لبعيد أن يقع النص عليه ، ولكن أحسن الناس تشبيها امرؤ القيس في قوله : [ الطويل ] كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا * لذي وكرها العنّاب والخشف البالي « 1 » وفي قوله : [ الطويل ] كأنّ عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجزع الّذي لم يثقّب « 2 » وفي قوله : [ المتقارب ] ولو عن نثا غيره جاءني * وجرح اللسان كجرح اليد « 3 » وفي قوله : [ الطويل ] سموت إليها بعد ما نام أهلها * سموّ حباب الماء حالا على حال « 4 » فالتفت إليّ يحيى ، وقال : هذه واحدة ، قد نصّ على امرئ القيس أنّه أبدعهم تشبيها . قال يحيى : هي لك يا أمير المؤمنين ، ثم قال لي الرشيد : فما أبدع تشبيهاته عندك ؟ قلت : قوله يصف فرسا : [ المتقارب ] كأن تشوّفه بالضّحى * تشوّف أزرق ذي مخلب إذا قرعته حلال له * تقول سلبت ولم تسلب فقال : هذا حسن ، وأحسن منه قوله : [ الطويل ] فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا * تصوّب فيه العين طورا وترتقي « 5 »
--> ( 1 ) البيت في ديوان امرئ القيس ص 38 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 244 ، ولسان العرب ( أدب ) . ( 2 ) البيت في ديوان امرئ القيس ص 53 ، ولسان العرب ( جزع ) ، وكتاب العين 1 / 216 . ( 3 ) البيت في ديوان امرئ القيس ص 185 ، ولعمرو بن معديكرب في ملحق ديوانه ص 200 ، ولامرئ القيس أو لعمر بن معديكرب في سمط اللآلي ص 531 . ( 4 ) البيت في ديوان امرئ القيس ص 31 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( حبب ) ، وتهذيب اللغة 4 / 10 . ( 5 ) البيت في ديوان امرئ القيس ص 176 ، وأدب الكاتب ص 505 ، ولسان العرب ( كوف ) .