أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

179

شرح مقامات الحريري

قال لها : قولي ما شئت أفعله ، قالت : تدخل إليها ، وتعلمها أنّك مالكها ، فتطؤها فتحرم عليه ، وإلّا شغلته فجفاني وجفاك . ففعل ، وجاء أبو دلامة فسألها عنها ، فقالت : هي في ذلك البيت ، فدخل ومدّ يده إليها ، وذهب ليقبّلها ، فرأت شيخا محطّما قبيح الوجه ، فقالت : تنحّ وإلّا لطمتك لطمة دققت بها أنفك . فقال : وبهذا أوصتك سيدتك ؟ فقالت : إنها بعثتني إلى فتى من صفته كذا وكذا ، وقد نال حاجته مني آنفا . فعلم أنه دهاء من دلامة وأمه ، فخرج ولطمه ولبّبه . وحلف ألّا يفارقه إلّا إلى المهديّ ، فمضى على تلك الحالة حتى دخل إلى المهديّ ، فقال له : ما بالك ويحك ! فقال له : عمل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يعمله أحد بأبيه ، ولا يرضيني إلا أن تقتله ، وأخبره الخبر . فضحك المهديّ حتى استلقى ، وأبو دلامة يقول : يعجبك فعله ، فتضحك منه ! فقال : عليّ بالسيف والنّطع ، فقال دلامة : اسمع حجتي يا أمير المؤمنين ، كما سمعت حجّته ، فقال : هات ، فقال : هذا الشيخ أصفق الناس وجها ، وهو ينيك أمي منذ أربعين سنة فما غضبت ، ونكت جاريته مرة واحدة فغضب . فضحك المهديّ أشد من ضحكه الأوّل ، فقال : دعها له [ يا أبا دلامة ] ، وأنا أعطيك خيرا منها ، فقال : على أن تخبأها بين السماء والأرض ، وإلّا ناكها كما ناك هذه ، وحلف لدلامة إن عاد ليقتلنّه . وجاء دلامة لأبيه في محفل ، وجلس بين يديه ، وقال للجماعة : إنّ شيخي كما ترون قد كبر سنّة ، ورقّ جلده ودقّ عظمه ، وبنا إلى حياته حاجة ، وأنا لا أزال أشير عليه بشيء يمسك رمقه ، ويبقي قوّته ؛ فيخالفني . وأرغب إليكم أن تسألوه قضاء حاجة فيها صلاح جسمه ، فقالوا : حبّا وكرامة ، فأخذوا أبا دلامة بألسنتهم ، فقال : قولوا له الخبيث فليقل ما يريد ، فستعملون أنه لم يأت إلّا ببليّة . فقال : إنما يقتله كثرة النّيك ، ولا يدفعه عنه إلا الخصاء ، فتعاونوني عليه حتى أخصيه ، فضحكوا منه كثيرا ، وقالوا لأبيه : قد سمعت فما عندك ؟ فقال : قد عرّفتكم أنّه لم يأت بخير ، وقد جعلت أمه حكما بيني وبينه ، فقوموا إليها ، فدخلوا عليها وقصّوا القصّة عليها ، فأقبلت على الجماعة وقالت : إن ابني أبقاه اللّه ، قد نصح أباه وبرّه ، وأنا إلى بقاء أبيه أحوج منه إليه ؛ إلّا أنّ هذا الأمر لم تقع فيه تجربة عندنا ، ولا جرت به عادة ، وهو قد ادّعى معرفة ذلك ، فليبدأ بنفسه فليخصها ، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أبقي عليه أثرا محمودا ، استعمله أبوه على علم ، فجعل القوم يضحكون ويعجبون من اتّفاقهم في الخبث . وأمره المهديّ أن يلزم المسجد في رمضان ، وقال له : إن تأخّرت فلشرب الخمر ، ولئن علمت ذلك لأقتلنّك ، فشق عليه ذلك ، وتشفّع إليه بكل إنسان ، فلم يشفعه ، فأدخل إلى ريطة رقعة ، وكان المهديّ لا يخالفها - وفيها : [ الوافر ] أبلغا ريطة أنّي * كنت عبدا لأبيها فمضى يرحمه الل * ه وأوصى بي إليها