أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
175
شرح مقامات الحريري
وكانت قارحا أيّام كسرى * وتذكر تبّعا عند الفعال وقد دبرت ونعمان صبيّ * وقبل فصاله تلك الليالي وتذكر إذ نشا بهرام جور * وعامله على خرج الجوالي وقد مرّت بقرن بعد قرن * وآخر عهدها لهلاك مالي فأبدلني بها يا ربّ طرفا * يزين جمال مشيته جمالي وأنشدها المهدي : فقال : لقد أقلت من بلاء عظيم ، فقال : واللّه يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردّها ، فقال المهديّ لصاحب دوابه : خيّره بين مركبين في الإصطبل ، فقال : إن كان الاختيار إليّ فقد وقعت في شرّ من البغلة ، ولكن مره يختر لي ، ففعل . وفي القصيدة ألفاظ من الغريب أبينها ، فمنها يقال : واكلت الدابة وكالا : أساءت السير . ورمحت ترمح : ضربت برجليها والمشش : داء في قوائمها . والجرد استرخاء العصب ، والعقّال : أن تنقبض القوائم ولا تنبعث ، والخراط : الجماح ، والعرن : حكة وشقاق في القوائم ، وقد عرن عرنا ، وقمص يقمص ويقمص قمصا وقماصا : رفع يديه معا وطرحهما معا ، وعجن بيديه ، وقطا يقطو : قارب الخطو . وكان لأبي دلامة برذون أعجف محطم هرم ، فدخل على المهدي يوما وبين يديه سلمة الوصيف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني جلبت لبابك مهرا ليس لأحد مثله ، وأحببت أن أهديه لك ، فإن أحببت أن تشرّفني بقبوله ! فأمر بإدخاله ، فخرج وأدخل برذونه ، فقال له المهدي : أيّ شيء هذا ويلك ! ألم تزعم أنه مهر ، فقال له أبو دلامة : أو ليس هذا سلمة الوصيف قائم بين يديك تسميه الوصيف وله ثمانون سنة ! فإن كان سلمة وصيفا فهذا مهر ، فجعل المهديّ يضحك وسلمة يشتمه ، فقال له المهديّ : ويلك ! إن لهذه أخوات ، واللّه ليضحكنّ بك في المحافل ، فقال : واللّه يا أمير المؤمنين لأفضحنه ، فليس في مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره ، فما شربت الماء له قطّ فحكم عليه المهديّ أن يشتري نفسه بثلاثة آلاف درهم ، فقال له سلمة ، على ألا تعاود ، فقال أبو دلامة : أفعل ، فحملها إليه . ومما ينتظم بهذا النّمط أن محمد بن عبيد اللّه بن خاقان حمل أبا العيناء على فرس ، فكتب إلى أبيه : أعلم الأمير أعزه اللّه أن أبا محمد أراد أن يبرّني فعقّني ، وأن يركبني فأرجلني ، وأمر لي بدابة تقف للنّبرة ، وتعثر بالبعرة ، كالقضيب اليابس عجفاء ، وكالمهجور البائس دنفاء ، قد أذكر الرواة عروة العذريّ والمجنون العامريّ ، مباعدا أعلاه لأسفله ، حباقه مقرون بسعاله ، فلو أمسك لترجّيت ، ولو أفرد لتعزيت ، ولكنه يجمعها في الطريق المعمور ، والمجلس المشهور ، كأنه خطيب مرشد ، أو شاعر منشد ، يضحك من فعله النّسوان ، ويتناعى من أجله الصبيان ، فمن صائح يصيح : داوه بالطباشير ، ومن قائل