أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

171

شرح مقامات الحريري

واستحق ذلك الأمور : منها أنه كان موصوفا بالحلم مشهورا بالجود ، معروفا بالتقدم والشجاعة ، محظوظا في العشيرة ، ثم أنشد الأبيات المتقدّمة . وكان صخر أجمل رجل في العرب ، وكان سبب قتله أنه جمع جمعا ، أغار على بني أسد بن خزيمة ، فنذروا به والتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فارفضّ أصحاب صخر عنه ، فطعنه ربيعة بن ثور الأسديّ ، فأدخل جوفه حلقا من الدّرع ، فاستقلّ منها وسار إلى أهله فاندمل عليه الجرح ، ونتأ منه مثل اليد ، فأضناه ذلك حولا ، فسمع سائلا يقول لامرأته : كيف صخر اليوم ؟ فقالت : لا حيّ فيرجى ، ولا ميت فينعى ، ولقد لقينا منه الأمرّين - وامرأته بديلة الأسدية وكان سباها من بني أسد ، واتخذها لنفسه - فلما سمع قولها علم أنها برمت منه ، ورأى تحزّن أمه عليه ، فقال : [ الطويل ] أرى أمّ صخر لا تجفّ دموعها * وملّت سليمى مضجعي ومكاني « 1 » وما كنت أخشى أن أكون جنازة * عليك ، ومن يغترّ بالحدثان أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه * وقد حيل بين العير والنّزوان لعمري قد نبّهت من كان نائما * وأسمعت من كانت له أذنان فأي امرئ ساوى بأمّ حليلة * فلا عاش إلا في شقى وهوان ثم عزم على قطع ذلك الموضع ، فلما قطعه يئس من نفسه ، فقال : [ الطويل ] أجارتنا إنّ الخطوب قريب * على الناس ، كلّ المخطئين تصيب أجارتنا إنّا غريبان هاهنا * وكلّ غريب للغريب نسيب فلما مات دفن في أرض بني سليم بقرب عسيب . وحضرت الخنساء القادسية مع بنيها وهم أربعة رجال ، فقالت لهم من أوّل الليل : يا بني إنكم أسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، واللّه الذي لا إله إلا هو ؛ إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنّكم بنو امرأة واحدة ، ما خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ، ولا هجّنت حسبكم ، ولا غيرت نسبكم ، وقد تعملون ما أعدّ اللّه تعالى للمؤمنين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين ، واعلموا أنّ الدار الآخرة خير من الدار الفانية ، يقول اللّه عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ آل عمران : 200 ] ، فإذا أصبحتم غدا إن شاء اللّه سالمين فاغدوا لقتال عدوّكم مستبصرين ، وباللّه على

--> ( 1 ) البيت الثاني لصخر بن عمرو في الأغاني 15 / 76 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( جنز ) ، وتهذيب اللغة 10 / 622 ، وكتاب العين 6 / 70 ، ومقاييس اللغة 1 / 485 ، والبيت الثالث لصخر أيضا في الأصمعيات ص 146 ، وخزانة الأدب 1 / 438 ، والشعر والشعراء 1 / 352 ، ولسان العرب ( نزا ) ، وبلا نسبة في مغني اللبيب 2 / 516 ، والمنصف 3 / 60 ، والبيت الرابع بلا نسبة في كتاب العين 4 / 60 .