أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
170
شرح مقامات الحريري
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به * كأنه علم في رأسه نار فقال : قد قلت له فأبى عليّ - وأومأ إلي إسحاق بن بزيع - قلت : الصواب مع أمير المؤمنين ، ثم قال : يا مفضل ، حدّثني فحدّثته حتى انتصف النهار ، قال : أنشدني ، فأنشدته قول الحسين بن مطير الأسديّ : [ الطويل ] وقد تغدر الدنيا فيضحى غنيّها * فقيرا ويثرى بعد بؤس فقيرها « 1 » وكم قد رأينا من تغيّر عيشة * وأخرى صفا بعد كد غديرها فلا تقرب الأمر الحرام فإنه * حلاوته تفنى ويبقى مريرها وكان المهدي رقيقا فبكى ، وقال : يا مفضّل ، كيف حالك ؟ فقلت : كيف يكون حال من عليه عشرة آلاف درهم ، وليس معه منها درهم واحد ، قال : يا إسحاق ، أعطه عشرة آلاف درهم قضاء لدينه ، وعشرة آلاف درهم يستعين بها على حاله ، وعشرة آلاف درهم يصلح بها من شأنه . ورأى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه الخنساء ، تطوف بالبيت محلوقة الرأس ، تبكي وتلطم خدها ، وقد علّقت نعل صخر في خمارها ، فوعظها فقالت : إني رزئت فارسا لم يرزأ أحد مثله ، فقال : إن في الناس من هو أعظم مرزأة منك ، وإنّ الإسلام قد غطّى ما كان قبله ، وإنه لا يحلّ لك لطم وجهك ولا كشف رأسك ، فكفّت عن ذلك وقالت : [ الوافر ] هريقي من دموعك واستفيقي * وصبرا إن أطقت ولن تطيقي « 2 » وقولي إنّ خير بني سليم * وأكرمهم بصحراء العقيق ألا هل ترجعنّ لنا الليالي * وأيام لنا بلوى الشّقيق وإذ فينا معاوية بن عمرو * على أدماء كالجمل الفنيق فنبكيه فقد أودى حميدا * أمين الرأي محمود الصّديق فلا واللّه لا تسلوك نفسي * لفاحشة أتيت ولا عقوق ولكنّي رأيت الصبر خيرا * من النّعلين والرأس الحليق وأما أبو العباس المبرّد فقال : وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو ، وكان أخاها لأبيها وأمها ، [ وكان صخر أخاها لأبيها ] وكان أحبّهما إليها .
--> ( 1 ) يروى البيت الثاني : وكائن ترى من حال دنيا تغيّرت * وحال صفا بعد اكدرار غديرها وهو لابن المطير الأسدي في لسان العرب ( كدر ) ، وتاج العروس ( كدر ) . ( 2 ) الأبيات في ديوان الخنساء ص 173 .