أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
163
شرح مقامات الحريري
ما كان يحبى بها إلا الإمام ولا * كانت إذا قرنت بالخلق تعدوكا وماتت بوران في سنة إحدى وسبعين ومائتين ، وقد بلغت ثمانين سنة . وثمّ بوران أخرى وهي بنت كسرى ، وأمها مريم بنت قيصر ، ملكت سنة ونصفا ، وليست المعنيّة في المقامة . * * * [ بلقيس وعرشها ] وأما بلقيس فهي ابنة شراحبيل بن أبي سرح بن الحارث بن قيس بن صيّفي بن سبأ ، وكان سبب مراسلة سليمان إليها أنه فقد الهدهد ، وبه يعرف قرب الماء من بعده ، فنزل سليمان عليه السلام بمفازة ، فدعا بالهدهد فلم يوجد ، فقال وهو غاضب ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [ النمل : 20 ] الآيات . وكان الهدهد قد مرّ بعرش بلقيس وبساتينها ، فلمّا رجع تلقّته الطير ، فقالوا : توعّدك رسول اللّه بنتف ريشك أو بذبحك ، فينقطع نسلك ، فقال : وما استثنى ؟ قالوا : بلى ، قال : أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ [ النمل : 21 ] ، أي بعذر مبين فأتى سليمان فقال : ما غيّبك عني ؟ قال : أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [ النمل : 22 ] حتى بلغ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ [ النمل : 28 ] الآيات فوجّهه بالكتاب ، فوافقها في قصرها ، فسدّ عليها بالكتاب ضوء طاق ، فالتفتت فألقى إليها الكتاب ، فأخذته وغطّته بثوب ، ونادت في قومها فقالت : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ [ النمل : 29 ] الآيات ، فقالوا لها : نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ . . . [ النمل : 33 ] الآيات . ثم قالت : إن قبل الهدية فهو ملك من ملوك الدنيا وأنا أعزّ منه ، وإن لم يقبلها فهو نبيّ من عند اللّه . فلما رجع بالهدية قال سليمان : أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ [ النمل : 37 ] . فلما رجع إليها رسلها بالخبر ، خرجت فزعة في قومها - قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ومعها ألف قيل ، وأهل اليمن يسمون القائد القيل - مع كل قيل عشرة آلاف . وكان سليمان مهيبا لا يبدؤه أحد بشيء حتى يسأل عنه ، فخرج فرأى رهجا قريبا منه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : بلقيس ، قال : وقد نزلت منّا بهذا المكان . ثم قال : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها [ النمل : 38 ] فأتاه به الذي عنده علم الكتاب قبل ما قطع كلامه ، وصرف بصره ، فرآه مستقرّا عنده ، فقال : هذا من فضل ربي . ثم جاءت بلقيس وقعدت إلى سليمان ، فقيل لها : أَ هكَذا عَرْشُكِ [ النمل : 42 ] فنظرت إليه وقالت : كَأَنَّهُ هُوَ [ النمل : 42 ] ثم قالت : تركته في قصري والجنود محيطة به ، فكيف جيء به ! وكانت شعراء الساقين ، فقالت الجن : إن نكحها سليمان فولدت له غلاما ما ننفكّ من العبودية أبدا ، فهلمّ نبني له بنيانا ، فيرى شعرها فيه فلا يتزوّجها ، فبنوا له صرحا أخضر من قوارير كأنه الماء ، وجعلوا في باطن طرائقه كلّ شيء من الدواب والسمك وغيره ، وألقي لسليمان كرسي في أقصاه ، فلما رأى منه ما رأى قعد عليه ، ودعا بها ، فلما رأت صور