أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

161

شرح مقامات الحريري

الوقت سرنا وأنا أوصيه وأقول : تجنّب أن تظهرني بحضرتها ، ودعني من نخوة الملك ، وكن لي تبعا ، وهو يقول : نعم ويلك ! وإن قالت : غنّ كيف أصنع ؟ قلت : أنا أدفعها عنك . ثم سرنا إلى زبيلين فقعدنا فيهما ، فرفعنا إلى الموضع ، فأقبلت فسلّمت ، فما تمالك إذ رآها أن بهت في حسنها ، وقالت لي : واللّه ما أنصفت ابن عمك إذ لم ترفع منزلته ، وكان قد قعد دوني ، فقالت : ارتفع فديتك ، أنت جديد ، وهذا قد صار من أهل البيت ، فنهض إلى صدر البيت ، وأقبلت تذاكره وتناشده وتمازحه ، وهو يظهر عليها في كل فن . ثم أحضر النّبيذ فشربنا ، وهي مقبلة عليه ومسرورة به ، وهو أكثر ، وأخذت العود فغنّت صوتا ، وقالت : وابن عمك هذا من التجار ؟ قلت : نعم ، قالت : إنّكما لغريبان . فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب ، ثم رأيته ينظر إليّ نظر الأسد إلى فريسته ، فصاح : يا إسحاق ، فنهضت وقلت : لبيك يا أمير المؤمنين ! قال : غنّ هذا الصوت ، فلمّا علمت أنه الخليفة نهضت إلى كلّة مضروبة ، فدخلتها ، فلما فرغت من الصوت ، قال : انظر من ربّ هذه الدار ؟ فسألت عجوزا ، فقالت : هو الحسن بن سهل ، فقال ؛ عليّ به ، فغابت العجوز ساعة وإذا الحسن قد حضر ، فقال له : ألك ابنة ؟ قال : نعم بوران ، قال : فزوّجتها ! قال : لا واللّه ، قال : فأني أخطبها إليك ، قال : هي أمتك ، وأمرها إليك ، قال : قد تزوّجتها على نقد ثلاثين ألفا نحملها إليك صبيحة يومنا ، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا ، قال : نعم ، ثم خرجنا . فقال : يا إسحاق لا يقف على ما وقفت عليه أحد ، فسترت الحديث إلى أن مات المأمون : فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام مجالسة المأمون بالنهار ، ومجالسة بوران بالليل ، وو اللّه ما رأيت أحدا من الرجال في ملوكهم مثل المأمون ، ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهما وعقلا ، وما أظن أحدا وقف من العلوم على ما وقفت عليه . وفي المسعودي : انحدر المأمون إلى فم الصّلح في شعبان سنة تسع ومائتين ، وأملك بخديجة بنت الحسن بن سهل ، ونثر الحسن في ذلك الإملاك ما لم ينثره قطّ ملك في جاهلية ولا إسلام ، نثر على الهاشميين والقواد والكتّاب بنادق مسك ، فيها رقاع بأسماء ضياع ، وجوار وأسماء ديار ودوابّ وغير ذلك ، فإذا وقعت البندقة بيد الرجل ، فتحها فيجدها على قدر سعده ، ثم ينثر بعد ذلك الدنانير والدراهم ونوافج المسك على عامة الناس ، وأنفق على المأمون وعلى جميع قواده ، فلما أراد المأمون الانصراف إلى مدينة السلام قال له : يا أبا محمد ، سل حوائجك ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، أسألك أن تحفظ عليّ مكاني من قبلك ، فأمر المأمون أن يحمل له خراج فارس والأهواز لسنة . وذكر الحريريّ في الدّرة أن المأمون لمّا بنى على بوران ، فرش له حصير منسوج