أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
156
شرح مقامات الحريري
دجلة العوراء ؛ وهي التي انتشر ماؤها في البطاح ، حتى صارت سعتها هنالك ثلاثين فرسخا في مثلها . وقال ابن سكّرة يهجو امرأة بالسّعة : [ البسيط ] لا تعذليني على ما كان من ملل * من ذا يراك ولا يصبو إلى الملل إن كنت أبصرت أشنى منك في بصري * فلا بلغت الّذي أهواه من أملي البحر أنت ، وأيرى ليس من سمك * وليس بيني وبين البحر من عمل قال هشام بن عبد الملك للأبرش الكلبيّ : زوّجني امرأة من كلب ، فزوّجه ، فقال له ذات يوم يهزل معه : تزوّجنا إلى كلب ، فوجدنا في نسائهم سعة ، فقال الأبرش : يا أمير المؤمنين ، إن نساء كلب خلقن لرجال كلب . وسمع رجل من كندة رجلا يقول : وجدنا في نساء كندة سعة ، فقال : إنّ نساء كندة مكاحل فقدت مراودها . قيل : لامرأة تطلّق كثيرا : ما بالك تطلّقين أبدا ؟ قالت : يريدون الضّيق : ضيّق اللّه عليهم . قوله : فسترت عوارك ، ابن عباس ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مسلم اطّلع على عورة مسلم فأذاعها عليه شماتة وعدوانا إلا كان حقا على اللّه أن يفضحه عاجلا أو آجلا ، ومن سترها عليه كان حقّا على اللّه أن يدخله في ستره وحجابه يوم تبلى السرائر وتخرج المخبآت » . حبتك : أي خصّتك . وشيرين هي بنت أبرويز بن هرمز ، وكانت آية في الجمال ، وغاية في الحسن والكمال ، فاقت نساء زمانها صيانة وظرفا ، وبهرتهنّ ملاحة ولطفا ، وخلّفت في العراق آثارا منها قصر شيرين ، ولها قصة منظومة مشهورة بالعجمية . [ امرأة هارون الرشيد ] وزبيدة : هي بنت جعفر بن عبد اللّه بن أبي جعفر المنصور ، زوجها هارون الرشيد ، وجدّها المنصور ، وعمّها المهدي ، وابنها الأمين ؛ فكانت الخلافة قد اكتنفها ، وليس في بني هاشم عباسيّة ولدت خليفة إلا هي . ولدت في حياة المنصور ، فسمّيت أمة العزيز . وكان المنصور يرقّصها ويقول : يا زبيدة أنت زبيدة ! فغلب ذلك على اسمها ، وكانت أموالها لا تحصى ، وأنفقت في سبيل اللّه وفي الحج وفي بناء المساجد والقناطر ما لم ينفقه أحد قبلها ؛ فمن ذلك ما أنفقت في حفرها للعين المعروفة بعين المشاش بالحجاز ، فإنّها حفرتها ، ومهّدت الطريق لها في كلّ رفع وخفض ، حتى أجرتها من مسافة اثني عشر ميلا ، فأحصى ما أنفقت فيها فوجد ألف ألف وسبعمائة ألف دينار ، دون ما كان في وقت الشغل بها في البذل ، وما عمّ أهل الفاقة ، ولها في طريق مكة من العراق آثار