أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
154
شرح مقامات الحريري
عتيد ، ولسان شديد . قال : لا بدّ من جوابها ، قال : هي يا أمير المؤمنين كثيرة الصّخب ، دائمة الذّرب ، مهينة للأهل ، ومؤذية للبعل ؛ إن ذكر خيرا دفنته ، وإن ذكر شرّا أذاعته ، تخبر بالباطل ، وتطير مع الهازل ، لا تنكل عن عتب ، ولا يزال زوجها معها في تعب ؛ فقالت : أما واللّه لولا حضور أمير المؤمنين ، ومن حضر من المسلمين ، لرددت عليك بوادر كلامك بنوادر تردع كلّ سهامك . فقال معاوية : عزمت عليك لما أجبته ! فقالت : هو واللّه يا أمير المؤمنين سئول جهول ، ملحاح بخيل ، إن قال فشرّ قائل ، وإن سكت فقدم غائل ، ليث حين يأمن ، ثعلب حين يخاف ، شحيح حين يستضاف ، إن التمس الجود عنده انقمع ، لما يعلم من لؤم آبائه ، وقصر رشائه ، ضيفه جائع ، وجاره ضائع ، لا يحمي ذمارا ، ولا يضرم نارا ، ولا يرعى جوارا ، أهون الناس عليه من أكرمه ، وأكرمهم عليه من أهانه . فقال معاوية : ما رأيت أعجب منها . انصرفي رواحا ، فلمّا كان العشي جاءت ، فلما رآها أبو الأسود قال : اللهمّ اكفني شرّها ، فقالت : كفاك اللّه شرّي ، وأرجو ألّا يعيذك من شرّ نفسك . قال : ناوليني هذا الصبيّ حتى أحمله ، قالت : ما جعلك اللّه بأحقّ من يحمل ابني مني . فوثب فانتزعه منها ، فقال معاوية : مهلا يا أبا الأسود . قال : يا أمير المؤمنين حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه ، وأنا أقوم عليه في أدبه ، وانظر في أوده ، أمنحه علمي ، وألهمه حلمي ؛ حتى يكمل عقله ، ويستحكم قبله ، قالت : كلّا أصلحك اللّه ! حمله خفّا ، وحملته ثقلا ، ووضعه شهوة ، ووضعته كرها . حجري فناؤه ، وبطني وعاؤه ، وثديي سقاؤه ، أكلؤه إذا نام ، وأحفظه إذا قام . فقال معاوية : ما رأيت أعجب من هذه المرأة ! فقال أبو الأسود : يا أمير المؤمنين ، إنها تقول من الشعر أبياتا فتجيدها ، قال : فتكلّف أنت لها أبياتا لعلك أن تقهرها بالشعر ، فقال أبو الأسود : [ الخفيف ] مرحبا بالّتي تجور علينا * ثمّ أهلا بالحامل المحمول أغلقت بابها عليّ وقالت * إن خير النّسا ذوات البعول شغلت قلبها عليّ فراغا * هل سمعتم بفارغ مشغول ! فقالت : [ الخفيف ] ليس من قال بالصواب وبالح * قّ كمن حاد عن منار السبيل كان حجري فناءه حين يضحي * ثم ثديي سقاؤه بالأصيل لست أبغي بواحدي يا بن حرب * بدلا ما رأيته والجليل فقال معاوية رضي اللّه عنه : [ الخفيف ] ليس من قد غذاه طفلا صغيرا * وسقاه من ثديه بالجدول