أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

149

شرح مقامات الحريري

فلمّا حضرا القاضي ؛ وكان ممّن يرى فضل الإمساك ، ويضنّ بنفاثة السّواك ، جثا أبو زيد بين يديه ، وقال : أيّد اللّه القاضي وأحسن إليه ، إن مطيّتي هذه أبيّة القياد ، كثيرة الشّراد ؛ مع أنّي أطوع لها من بنانها ، وأحنى عليها من جنانها . فقال لها القاضي : ويحك ! أما علمت أنّ النّشوز يغضب الرّبّ ، ويوجب الضّرب ! فقالت : إنّه ممّن يدور خلف الدّار ، ويأخذ الجار بالجار ، فقال له القاضي : تبّا لك ! أتبذر في السّباخ ، وتستفرخ حيث لا إفراخ ! اعزب عنّي ، لا نعم عوفك ، ولا أمن خوفك ، فقال أبو زيد : إنّها ومرسل الرّياح ، لأكذب من سجاح ! فقالت : بل هو ومن طوّق الحمامة ، وجنّح النّعامة ، لأكذب من أبي ثمامة ، حين مخرق باليمامة ! * * * لا أغني ، أي لا أنفع ، الإمساك : الشح ، يضنّ : يبخل ، والنفاثة : ما تطرحه من فيك من السّواك بعد الانتفاع به ، وهذا وإن كان في غاية البخل منتزع من قول الشاعر : [ الطويل ] لقد بخلت حتى لو أنّي سألتها * قذى العين من ضاحي التراب لضنّت وقال آخر في معناه : [ السريع ] يبخل بالماء ولو أنه * منغمس في وسط النّيل شجّا فلا تطمع في خيره * ولو توسّلت بجبريل وقال آخر : [ البسيط ] ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة * حتى نزلت على أوفى بن منصور يا حابس الرّوث في أعقاب بغلته * خوفا على الحبّ من لقط العصافير وهذا الباب مستوفى في الرابعة والأربعين : ومما يستظرف من لفظ السّواك ، قول بعض الظرفاء : [ الخفيف ] قد هجرت السّواك من أجل أنّي * إن ذكرت السّواك قلت سواكا وأحبّ الأراك من أجل أنّي * إن ذكرت الأراك قلت أراكا جثا : برك ، أيّد : قوّى مطيّتي : زوجتي ، أبيّة : صعبة ممتنعة على قائدها . الشّراد : النّفور ، أحنى : أعطف وأرحم . جنانها : قلبها . النّشوز : عصيان الزوج ومخالفته ، والنّشوز أصله الارتفاع . وويح ، معناها التوبيخ والتقبيح ، وتستعمل أيضا للترحّم ، وقوله : ويوجب الضرب من قوله تعالى : وَاللَّاتِي