أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

142

شرح مقامات الحريري

موضع الدينار أو الدرهم ، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم » « 1 » . وفيه عن أسيد بن جابر ، قال : كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا أتاه أمداد أهل اليمن سأل : أفيكم أويس بن عامر ؟ حتى أتى على أويس ، فقال : أنت أويس بن عامر ؟ قال : نعم ، قال : من مراد ، ثم من قرن ؟ قال : نعم ، قال : فكان بك برص فبرئت منه إلّا موضع الدرهم ؟ قال : نعم ، قال : ألك والدة ؟ قال : نعم ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يأتي إليكم أويس بن عامر ، مع أمداد أهل اليمن ، من مراد ثم من قرن ، وكان به بياض فبرئ منه إلا موضع الدرهم ، له والدة هو بها بارّ لو أقسم على اللّه لأبرّه ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » « 2 » ، فاستغفر لي فاستغفر له ، فقال عمر رضي اللّه عنه أين تريد ؟ فقال : الكوفة ، قال ألا أكتب لك إلى عاملها ؟ قال : أكون في غير النّاس أحبّ إليّ . قال : فلما كان في العام القابل حج رجل من أشرافهم ، فوافى عمر رضي اللّه عنه ، فسأله عن أويس ، فقال : تركته رثّ البيت ، قليل المتاع . قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن ، وكان به برص فبرئ منه إلا موضع درّهم ، له والدة بها بارّ ، لو أقسم على اللّه لأبرّه ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل » فأتى أويسا فقال : استغفر لي ، فقال : أنت أحدث عهدا بسفر صالح ؟ قال : نعم ، قال له : لقيت عمر ؟ قال : نعم ، فاستغفر له ، ففطن له الناس ، فانطلق على وجهه ، قال أسيد : وكسوته بردة ، فكان كلما رآه إنسان قال : من أين لأويس هذه البردة ! . وفي كتاب الإحياء : أنّه لما ولى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، قال : أيّها الناس ، من كان من أهل العراق فليقم ، فقاموا ، فقال : اجلسوا إلّا من كان من قرن ؟ فجلسوا إلا رجلا واحدا ، فقال له عمر رضي اللّه عنه قرنيّ أنت ؟ قال : نعم ، قال : أتعرف أويسا ؟ قال : نعم ، وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين ؟ واللّه ما فينا أحمق ولا أجنّ ولا أحوج منه ! فبكى عمر رضي اللّه ، ثم قال : ما قلت ، إلّا أنّي سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر » . ولمّا كان عند أهله كالمجنون بنوا له بيتا على باب دارهم ، فكان تأتي عليهم السّنة لا يرون وجهه ، كان يخرج أوّل الأذان ويأتي بعد العشاء الآخرة ، وكان طعامه أن يلقط النّوى ، فكلّما أصاب حشفة خبأها لإفطاره ، فإن أصاب ما بقوته باع النّوى ، وتصدّق به ، وإلّا اشترى منه ما يقوته . وكان لباسه قطع الأكسية من المزابل ، يلفق بعضها إلى بعض ، ثمّ يلبسها ، وإذا مرّ بالصبيان رجموه ، يظنّون أنه مجنون ، ولهذا أعظّم النبي صلى اللّه عليه وسلم حرمته ، فقال : « إني لأجد نفس الرحمة من قبل اليمن » . إشارة إليه .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 223 . ( 2 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 224 ، 225 ، وأحمد في المسند 1 / 38 ، 3 / 480 .