أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
134
شرح مقامات الحريري
وكلانا لا يملك فتيلا ولا يهتدي فيها سبيلا ؛ فأقبلنا نجوس خلالها ، ونتفيّأ ظلالها ، حتّى أفضينا إلى قصر مشيد ، له باب من حديد ، ودونه زمرة من عبيد . فناسمناهم لنتّخذهم سلما إلى الارتقاء ، وأرشية للاستقاء ؛ فألفينا كلّا منهم كئيبا حسيرا ؛ حتّى خلناه كسيرا أو أسيرا . فقلنا : أيّتها الغلمة ، ما هذه الغمّة ؟ قلم يجيبوا النّداء ، ولا فاهوا ببيضاء ولا سوداء ، فلمّا رأينا نارهم نار الحباحب ، وخبرهم كسراب السّباسب ، قلنا : شاهت الوجوه ، وقح اللّكع ومن يرجوه فابتدر خادم قد علته كبرة ، وعرته عبرة ، وقال : يا قوم ، لا توسعونا سبّا ، ولا توجعونا عتبا ؛ فإنا لفي حزن شامل وشغل عن الحديث شاغل ، فقال له أبو زيد : نفّس خناق البثّ ، وانفثّ إن قدرت على النّفث ، فإنك ستجد منّي عرّافا كافيا ، ووصّافا شافيا . * * * نهدنا : تقدّمنا المريرة : قوّ النفس . نركض ، بفتح أوّلها ، وأصل الرّكض ، تحريك القوائم ، ومنه ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ ص : 42 ] ، ولهذا قيل للجنين إذا اضطرب في بطن أمه : قد ارتكض ، ومن مشكل أبيات المعاني : [ الرجز ] قد سبق الحلبة وهو راكض * فكيف لا يسبق وهو رابض « 1 » المراد : أنّ أمه سبقت الجياد وهي حامل به ، فأضاف السّبق إليه لاتصاله بها ، وأراد براكض تحريكه قوائمه في مقرّه ، والرّكض يستعمل في الخيل وغيرها فيقال : ركض البعير برجله ، والطائر بجناحه . قوله : امتراء ، أي استخراج . الميرة : جلب الرزق ، ومار الرجل على أهله ميرا : جلب لهم القوت . نجوس خلالها ؛ نطوف في طرقها ، قال الليث وابن سيده : الجوس والجوسان : التردّد في خلال الدّور والبيوت ، وقال الأصمعيّ والأزهريّ وأبو عبيدة : جاسوا الموضع : وطئوه ، وفلان يجوس بني فلان ، أي يطؤهم يطلب فيهم وقال الطّبري والنّقّاش والزّجاج والثعالبي : فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [ الإسراء : 5 ] ، أي طافوا بين بيوتهم ، يقتلونهم ويطلبونهم ، ذاهبين وجائين . والخلل : الفرجة بين الشيئين ، والجمع خلال . تتفيّأ : نستظلّ ، وتفيّأ به : استظلّ به ، وتفيّأ : تقلّب أفضينا : وصلنا . مشيد : مرتفع البناء ،
--> ( 1 ) يروى الرجز : قد سبق الجياد وهو رابض * فكيف لا يسبق وهو راكض وهو بلا نسبة في تاج العروس ( ركض ) ، وجمهرة اللغة ص 751 .