أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

114

شرح مقامات الحريري

الأحنف : ما ادّخرت الآباء للأبناء ، ولا أبقت الموتى للأحياء شيئا أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب . وقيل لمعاوية : أيّ الناس أحبّ إليك ؟ قال : من كانت له عندي يد صالحة ، قيل : فإن لم تكن ؟ قال : فمن كانت لي عنده يد صالحة . قال بزرجمهر : إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنّها لا تفني ، إذا أديرت عنك فأنفق منها ، فإنها لا تبقى بأخذ هذا المعنى الشاعر فقال : [ البسيط ] لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التّبذير والسّرف فإن تولّت فأحرى أن تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وقال آخر : [ الطويل ] إذا جادت الدّنيا عليك فجدبها * على النّاس طرّا قبل أن تتفلّت فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت * ولا الشحّ يبقيها إذا هي ولّت وكان سعيد بن العاص يقول على المنبر : من رزقه اللّه رزقا حسنا ، فلينفق منه سرّا وجهرا ، حتى يكون أسعد الناس به : فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين ؛ إمّا لمصلح فلا يقل عنده شيء ، وإمّا لمفسد فلا يبقى له شيء . أخذه الشاعر فقال : [ الكامل ] أسعد بمالك في الحياة فإنّما * يبقى خلافك مصلح أو مفسد فإذا جمعت لمفسد لم تغنه * وأخو الصلاح قليله يتزيّد [ المروءة ] قوله : لولا المروءة ، المروءة هي الأفعال الشريفة ، التي يجب أن يقال للرجل بها مرء ، مثل الرّجولة للأفعال التي يستحقّ الرجل أن يقال له بها رجل . وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا دين إلّا بمروءة » . وقال عمر رضي اللّه عنه : المروءة ، مروءتان : ظاهرة وباطنة ، فالظّاهرة الرياش والباطنة العفاف . قدم وفد على معاوية رضي اللّه عنه ، فقال لهم : ما تعدون المروءة ؟ قالوا : العفاف وإصلاح المعيشة ، قال : اسمع يا يزيد ! وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « تجاوزوا لذوي المروءات عثراتهم ، فو اللّه إنّ أحدهم ليعثر وإنّ يده بيد اللّه » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه بمعناه أبو داود في الحدود باب 5 ، وأحمد في المسند 6 / 181 ، بلفظ : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » .