أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

106

شرح مقامات الحريري

قطّ إلا وهو يدعو الدجاجة إلى الحبّ ، ويلفظ الحب إليها ، إلّا بمرو ، فإنني رأيته يأكل وحده ، فعلمت أنّ لؤمهم كثير جدّا ، وهو فيهم طبع ، ورأيت بها طفلا صغيرا ، بيده بيضة ، فقلت له اعطنيها ، فقال لي : ليست تسعها في يدك ، فعلت أنّ المنع طبع مركّب فيهم . لا غرو : لا عجب . زجر الطير . التفاؤل بها ، وفسّر الشافعيّ رضي اللّه عنه قوله النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أقرّوا الطير على مكناتها » « 1 » . لأن الرجل كان في الجاهلية ، إذا أراد الحاجة أتى الطائر في وكره فنغّره ، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته ، وإن أخذ ذات الشمال رجع . فنهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك وقال : « لا عدوى ولا طيرة ، ويعجبني الفأل » قيل : وما الفأل ؟ قال : « كلمة طيبة » « 2 » . [ الزجر والعيافة ] وزجر الطير التّيامن بها ، والتشاؤم . وكان عند العرب قوّة زائدة وإدراك ، فينظر الزّاجر منهم للطائر ، ولمّا يفعل ، فيستقري من ذلك ما يتيامن به ويتشاءم منه ، مثل ما يحكى عن أمية بن أبي الصّلت أنه كان يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف ؛ إذ سقط غراب على شرف القصر ، فنعب نعبة ، فقال له أميّة : بفيك الكثكث - وهو التّراب ، فقال له إخوانه ما يقول ؟ قال : يقول : إذا شربت الكأس الذي في يدك متّ . ثم نعب نعبة ، فقال أميّة نحو ذلك ، فقالوا له : وما يقول ؟ قال : زعم أنّ علامة ذلك أن يقع على هذه المزبلة تحت القصر ، فيستثير عظما ، فيشجى به فيموت . فبينما هم يتكلّمون ، إذ وقع الغراب على هذه المزبلة ليلتقط ، فاستثار عظما ، فأراد أن يبتلعه ، فشجى به فمات ، فانكسر أميّة ، ووقع الكأس من يده ، وتغيّر لونه ، فجعلوا يعيّرونه عليه ، ويقولون : ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا ، وكان باطلا ! فألحّوا عليه ، حتى شرب الكأس ، فمال في شقّ فأغمي عليه ، ثم أفاق ، وقال : لا بريء فأعتذر ، ولا قويّ فأنتصر ، ثم زهقت نفسه . وحكى المدائني قال : خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر ، ليزور عزّة ، فلما قرب منها رأى غرابا على شجرة ينتف ريشه ، فتطيّر من ذلك ، فلقيه رجل من بني لهب فقال : يا أخا الحجاز ، ما لك كاسف اللون ؟ فذكر له ما رأى ، فقال : إنك تطلب حاجة لا تدركها . فقدم مصر ، والناس منصرفون من جنازة عزّة فقال : [ الطويل ] رأيت غرابا ساقطا فوق بانة * ينتف أعلى ريشه ويطايره « 3 »

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 6 / 381 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الطب باب 43 ، 44 ، ومسلم في السلام حديث 110 ، وأحمد في المسند 2 / 266 ، 267 ، 406 ، 453 ، 524 . ( 3 ) يروى البيت الأول : رأيت غرابا واقعا فوق بأنه * ينشنش أعلى ريشه ويطايره وهو بلا نسبة في لسان العرب ( نشش ) ، وتاج العروس ( نشش ) ، والمخصص 8 / 131 .