أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
105
شرح مقامات الحريري
فلمّا تطوّحت إلى مرو ، ولا غرو ، بشّرني بملقاه زجر الطّير ، والفأل الّذي هو بريد الخير ؛ فلم أزل أنشده في المحافل ، وعند تلقّي القوافل . فلا أجد عنه مخبرا ، ولا أرى له أثرا ولا عثيرا ، حتى بلغ اليأس الطمع وانزوى التأميل وانقطع ، فإنّي لذات يوم بحضرة والي مرو ، وكان ممّن جمع الفضل والسّرو ، إذ طلع أبو زيد في خلق مملاق ، وخلق ملّاق . فحيّا الوالي تحيّة المحتاج ، إذا لقي ربّ التاج ، ثم قال له : اعلم وقيت الذّم ، وكيفيت الهمّ ؛ أن من عذقت به الأعمال ، أعلقت به الآمال ، ومن رفعت له الدّرجات ، رفعت إليه الحاجات . وأنّ السعيد من إذا قدر ، وواتاه القدر ، أدّى زكاة النّعم ، كما يؤدّي زكاة النّعم ، والتزم لأهل الحرم ، ما يلتزم للأهل والحرم . وقد أصبحت بحمد اللّه عميد مصرك ، وعماد عصرك ، تزجى الرّكائب إلى حرمك ، وترجى الرّغائب من كرمك ، وتنزل المطالب بساحتك ، وتستنزل الرّاحة من راحتك ، وكان فضل اللّه عليك عظيما ، وإحسانه لديك عميما . * * * قوله : تطوّحت ، يقال : تطوّح في البلاد : ذهب به هاهنا وهاهنا ، فأراد بقوله : تطوّحت : رميت بنفسي إليها . [ مرو ] « 1 » مرو : بلدة بخراسان ، جليلة لها قرى ومحلّات ، وتسمّى أمّ خراسان ، وهي دار خلافة المأمون ، ومنها خرج أبو مسلم صاحب الدعوة ، ينسب إليها . الثّوب مرويّ والرجل مروزيّ ، وهو شاذ النسب ، ومن مرو إلى مرو « 2 » خمس مراحل ، وعلى مرو نهر فوّهته بالسّابيان ، وهو جبل عظيم الارتفاع ، تسيل منه أنهار تخترق بلاد خراسان ، منها وادي خوارزم ، مسيرته أربعون يوما ، ووادي القندهار مسافته شهر ، ونهر سجستان ، مسافته شهر ، ونهر مرو ، مسافته شهر ، ونهر هراة مسافته عشرون يوما ، ونهر بلج مسافته اثنا عشر يوما ، وبلخ هي متوسّطة خراسان ، منها إلى فرغانة ثلاثون مرحلة مغربا ، وإلى سجستان مما يلي القبلة كذلك وإلى كابول وقندهار كذلك ، وإلى خوارزم كذلك . وأهل مرو أطبع الناس على البخل ثم أهل خراسان ، قال ثمامة : ما رأيت الدّيك يأكل في بلد
--> ( 1 ) هي مرو الشاهجان . ( 2 ) أي من مرو الروذ إلى مرو الشاهجان .