أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

100

شرح مقامات الحريري

يقول : لا تعتب أحدا حتى تجرّبه . قوله : وإياك وتأبّيك عن مطاوعة أبيك ، أي احذر أن تمتنع عن مطاوعة والدك ، فإنك ومالك لأبيك . جابر رضي اللّه عنه : جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال يا رسول اللّه ، إن أبي أخذ مالي ، فقال له : « اذهب ، فائتني به » ، فأوحي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يسأل الشيخ عن شيء في نفسه ، قاله في شأن ابنه . فلمّا جاء الشيخ ، قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما بال ابنك يشكوك ؟ أتريد أن تأخذ ماله » ! فقال : سله يا رسول اللّه ، هل أنفقته إلا على نفسي أو على إحدى عماته أو خالاته ! فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دعني من هذا ، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ، ما سمعته أذناك » ، فقال : يا رسول اللّه ، ما زال اللّه يزيدنا بك يقينا ، لقد قلت في نفسي شيئا ، ما سمعته أذناي ، وأنشد يقول : [ الطويل ] غذوتك مولودا وعلتك يافعا * تعلّ بما أجني عليك وتنهل « 1 » إذا ليلة ضاقتك بالسّقم لم أبت * لسقمك إلّا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالّذي * طرقت به دوني فعيناي تهمل تخاف الرّدى نفسي عليك وإنها * لتعلم أن الموت وقت مؤجّل فلما بلغت السنّ والغاية التي * إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل جعلت جزائي غلظة وفظاظة * كأنك أنت المنعم المتفصّل فليتك إذ لم ترع حق أبوّتي * فعلت كما الجار المجاور يفعل قال : فحينئذ أخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم بتلابيب ابنه ، وقال : « أنت ومالك لأبيك » « 2 » . قوله : حاق ، أي نزل ، تقول : حاق به المكروه والشؤم يحيق حيقا ، نزلا به . ابن عرفة : وجبا عليه وألزماه ، قال الأزهري رحمه اللّه : الحيق ما يحيط بالإنسان من سوء عمله ومكروه فعله ، وقوله تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] ، أي لا ترجع عاقبة مكرهم إلا عليهم . سقط في يده ، يقال ذلك للنادم المتحيّر ، ويقال : سقط في يده وأسقط في يده ، إذا ندم على فعله ، وتحسّر عليه ، واليد هنا : الندم ، وقوله : سقط الفتى في يده ، قال جماعة من أهل اللغة : صوابه : سقط في يده من غير تسمية الفاعل ، لأن الفعل مسند إلى المجرور . وقال الأزهري رحمه اللّه : إنما حسّن سقط في يده بضم السين ، غير مسمّى فاعله الصلة ، وهي في يده ، ومثله قول امرئ القيس : [ الكامل ] * دع عنك نهبا صيح في حجراته « 3 » *

--> ( 1 ) الأبيات لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 45 ، والبيت الأول في تاج العروس ( عول ) . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب 64 ، وأحمد في المسند 2 / 179 ، 204 ، 214 . ( 3 ) عجزه : ولكن حديثا ما حديث الرواحل