أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
10
شرح مقامات الحريري
أودي « 1 » ، وإما أن تردّني إلى بلدي ، فقال : بل أجمعهنّ لك ففعل بها ذلك . خرج المهديّ يطوف بالبيت بعد هدأة من الليل ، فسمع أعرابيّة من جانب المسجد ، وهي تقول : قوم متظلّمون ، نبت عنهم العيون ، وفدحتهم الديون ، وعضّتهم السّنون ، بادت رجالهم ، وذهبت أموالهم ، أبناء سبيل ، وأنضاء طريق ، وصية اللّه ووصية رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فهل من آمر بخير كلأه اللّه في سفره ، وخلفه في أهله ! فأمر لها بخمسمائة درهم . ومما جاء في ذم السؤال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب فيه أهون من أن يأتي رجلا أعطاه اللّه من فضله ، فيسأله ؛ أعطاه أو منعه » « 2 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من فتح على نفسه بابا من السؤال ، فتح اللّه عليه سبعين بابا من الفقر » « 3 » . وقال أكثم بن صيفي : كلّ سؤال وإن قلّ أكثر من كلّ نوال وإن جلّ . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : المساكين لا يعودون مريضا ، ولا يشهدون جنازة ، ولا يحضرون جمعة ، وإذا اجتمع الناس في أعيادهم ومساجدهم يسألون اللّه من فضله ، اجتمعوا يسألون الناس ما بأيديهم . سأل سائل بمسجد الكوفة فلم يعط شيئا ، فقال : اللهمّ إنك بحاجتي عالم لا تعلّم ، أنت الذي لا يعوزك نائل ، ولا يلحفك سائل ، ولا يبلغ مدحك قائل ؛ أسألك صبرا جميلا ، وفرجا قريبا ، وبصرا بالهدى ، وقوّة فيما تحب وترضى فتبادروا إليه بالعطية ، فقال : لا واللّه لا أرزؤكم الليلة شيئا ، ثم خرج وهو يقول : [ الكامل ] ما نال باذل وجهه بسؤاله * عوضا ولو نال الغنى بسؤال وإذا النّوال مع السؤال وزنته * رجح السؤال ، وخفّ كلّ نوال وإذا بليت ببذل وجهك سائلا * فابذله للمتكرّم المفضال وقال بعض الأدباء : المخذول من كان له إلى اللئام حاجة . وأنشد الجاحظ في نوادره لأعرابيّ : [ الكامل ] سير النّواعج باللّميعة في الضّحى * يمشي الذليل بها على بلبال
--> ( 1 ) الأود : الاعوجاج . ( 2 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب 50 ، 53 ، والبيوع باب 15 ، والمساقاة باب 13 ، والترمذي في الزكاة باب 38 ، والنسائي في الزكاة باب 85 ، وأحمد في المسند 1 / 124 ، 2 / 243 ، 257 ، 300 ، 395 ، 418 ، 475 ، 496 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 17 ، وأحمد في المسند 1 / 193 ، 418 ، 4 / 231 . بلفظ : « لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح اللّه عليه باب فقر » .