أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
74
شرح مقامات الحريري
وكانت امرأته جليلة بنت مرّة بن شيبان ، وكان لمرّة - وهو من بني بكر - عشرة من الولد ، منهم الحارث وجسّاس ونضله وهمّام ، فجاءت جساسا خالة له اسمها البسوس ، التي يقال فيها : أشأم من البسوس ، فنزلت عليه ، ولها ابن وناقة تسمّى سراب ، بفصيل لها ، فدخل الحمى يوما ، فوجد بيض القنبرة قد وطئته سراب فكسرته ، فسأل عنها فأخبر أنها لخالة جساس ، فقال : أو قد بلغ من قدره أن يجير دون إذني ! يا غلام ، ارم ضرعها ، فخرقه بسهم ، وقتل فصيلها ، ثم طرد إبل جساس ، ونفاها عن المياه ، عن شبيث والأحصّ ( غديرين ) حتى بلغ غدير الذّئاب . فجاء جساس ، فقال : نفيت عن المياه مالي ، حتى كدت تهلكه ! فقال : إنّا للمياه شاغلون ، فقال : هذا كفعلك بناقة خالتي وفصيلها ، فقال : أو قد ذكرتها ! أما إنّي لو وجدتها في غير إبلي مرّة استحللت تلك الإبل لها ، فعطف عليه جسّاس فرسه ، فطعنه ، فلمّا أحسّ الموت ، قال : يا جساس ، اسقني ماء . فقال : تجاوزت شبيثا والأحصّ ، واحتزّ رأسه ، وأمال يديه ، وجاء . فقالت أخته لأبيها : إنّ جسّاسا جاء خارجة ركبتاه ، قال أبوها : واللّه ما خرجتا إلا لأمر . فلما وصله قال : ما وراءك يا بنيّ ؟ قال : طعنت طعنة لتشغلنّ شيوخ وائل رقصا . قال : قتلت كليبا ؟ قال : نعم ، قال : وددت أنّك وإخوتك متمّ قبل هذا ، ما بنا إلا أن تتشاءم بنا وائل ، ثم لقي أخاه نضلة فقال : [ الوافر ] وإني قد جنيت عليك حربا * تغصّ الشّيخ بالماء القراح فأجابه أخوه نضلة : فإن تك قد جنيت عليّ حربا * فلا وان ولا رثّ السّلاح وكان أخوه همّام قد آخى مهلهلا أخا كليب ، وعاهده ألّا يكتمه شيئا ، فجاءته أمة له ، وعنده مهلهل ، فأسرّت إليه الخبر ، فقال له مهلهل : ما قالت لك أمتك ؟ فقال : زعمت أنّ أخي جساسا قتل كليبا ، فقال : است أخيك أضيق من ذلك . وتحمّل القوم ، وغدا مهلهل في ثأر أخيه بالخيل ، واجتمعت أشراف تغلب ، وأتوا مرّة ، فتكلموا معه في القصاص من جسّاس وإخوته ، فذهب مرّة إلى الدية ، فغضبت تغلب ووقعت في الحرب ، فدامت بينهم أربعين عاما . وكان فيما بينهم خمس وقائع : أوّلها يوم عنيزة وآخرها قتل جسّاس ، وذلك أنه لما اجتمع نساء تغلب للمأتم قالوا لأخته : رحّلي جليلة عن مأتمك ، فإنّ قيامها شماتة بنا ، وعار علينا ، فقالت لها : أخرجي يا هذه من مأتمنا ، فإنك شقيقة قاتلنا ، فلما رحلت قالت أخت كليب : رحلة المعتدي ، وفراق الشامت ! ويل غدا لآل مرّة ، من الكرّة بعد الكرّة . فلما بلغ ذلك جليلة قالت : وكيف تشمت الحرّة بهتك سترها ، وترقّب وترها ! أسعد اللّه جدّ أختي ، أفلا قالت : نقرة الحياء ، وخوف الاعتداء ! وجاءت وهي حامل ، فولدت غلاما وسمّته بالهجرس ، وربّاه جسّاس ، فكان لا