أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

7

شرح مقامات الحريري

والأتباع ، أو يريد بالفريضة من لا بدّ له أن يدعوه للحضور ، مثل القرابة والوجوه والأصحاب ، والنافلة لفيف الناس ، وأراد أنه حمل لعرسه من يحبّ ومن لا يحبّ ، والهاء من « فيها » ضمير الدعوة ، ويروى « فيهما » بالميم . [ الحاضرة والبادية ] وأما ذكر الحاضرة والبادية ، فقد أتينا في ذلك بفصل أدبيّ مستحسن ، ولسنا نحتاج إلى إقامة دليل شاهد على فضل الحاضرة ، لأنها محلّ الجمعيات والجماعات ، وإليها تجلب الخيرات ، وبها تستمدّ البركات ، ومنهم العلماء والفضلاء والملوك ، إلى ما يطول تعداده ، ومن أراد اللّه به خيرا نقله من البادية إلى الحاضرة ، وقد أخبر اللّه تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام في قوله : وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ [ يوسف : 100 ] وهذا فيه فضل للحاضرة لا يدفع إذ قرن الخروج من السجن بالمجيء من البدو ، وعدّه من إحسان اللّه سبحانه وتعالى . وقف أعرابي على دعبل وهو ينشد : [ المتقارب ] إذا القوس أوترها أيّد * رمى فأصاب الكلى والذّرى « 1 » فقال له : ما عنيت ؟ فقال دعبل : القوس قوس قزح ، أمطرت الأرض بها ، فأعشبت فرعاها المال ، فسمنت كلاه وأسنمه ، فقال الأعرابي : للّه درّكم يا حاضرة ! إنكم لتسيرون معنا فتساوون ، ولتنكّبون عنا فتفوتون . وفي ضدّ هذا المعنى قال شبيب بن شبة : كثر قطع الطريق بين مكّة والبصرة ، فبعثني المنصور أقوم في المناهل ، وأتكلّم بذمّ البادية ، وأوبّخهم بما يردعهم ، فلم أرد ماء إلا تكلّمت عليه بما يحضرني ، فلا أجد من ينطق ، حتى قمت على ما لبني تميم ، فلما انقضى كلامي ، قام رجل منهم قال : الحمد للّه أفضل ما حمدته ، وحمده الحامدون قبلك أو بعدك ، وصلى اللّه على سيدنا محمد أفضل صلاة وأتمّها وأخصها وأعمّها . ثم إني قد سمعت ما قلت في مدح الحاضرة وأهلها ، وذمّ البادية وأهلها ، ومهما كان فينا أهل البادية من سوء ، فليس فينا نقب الدّور ، ولا شهادة الزور ، ولا نبش القبور ولا نيك الذكور . قال : فأفحمني واللّه حتى تمنّيت أني لم أخرج لذلك الوجه . وقال القطامي : [ الوافر ] فمن تكن الحضارة أعجبته * فأيّ رجال بادية ترانا « 2 »

--> ( 1 ) البيت بلا نسبة في لسان العرب ( أيد ) . ( 2 ) البيت للقطامي في ديوانه ص 76 ، ولسان العرب ( حضر ) ، وبلا نسبة في إصلاح المنطق ص 111 ، ومغني اللبيب 2 / 507 ، ولسان العرب ( بدا ) .