أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
57
شرح مقامات الحريري
تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ [ الشعراء : 136 ] . وقالوا : يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [ هود : 53 ] الآيات ، واستكبروا ولم يؤمنوا ، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا . فأوفدوا وفدا يستسقون لهم ، فبعثوا قيل بن عنز ، ونعيم بن هزّال ، ومرثد بن سعد ، وكنيته أبو سعد ، وجلهمة بن الخبيريّ ، ولقمان بن عاد ، ومع كلّ رجل منهم رهط من قومه ، فلما قربوا من مكة نزلوا على معاوية بن بكر العقيليّ - وكانوا أخوالا له وصهراء - فأنزلهم وأكرمهم شهرا ، يشربون الخمر وتغنّيهم قينتان له يقال لهما : الجرادتان . فلما رأى معاوية طول مقامهم عنده ؛ وقد بعثهم قومهم للبلاء الّذي نزل بهم شقّ عليه ذلك ، وقال : هلك أصهاري وأخوالي ، واللّه ما أدري ما أصنع بهم ! وإني أستحي أن آمر بالخروج من عندي فيظنون أنه ضاق بي مقامهم عندي ، فقال شعرا وأعطاه للجرادتين فغنّتاهم به ، وهو : [ الوافر ] ألا يا قيل ويحك قم فهيم * لعلّ اللّه يصبحنا غماما « 1 » فيسقي أرض عاد إنّ عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما وإنّ الوحش تأتيهم جهارا * فلا تخشى لعاديهم سهاما وأنتم هاهنا فيم اشتهيتم * نهاركم وليلكم التّماما فقبّح وفدكم من وفد قوم * ولا لقّوا التحيّة والسلاما فقال بعضهم لبعض : إنما بعثكم قومكم لما نزل بهم ، فأدخلوا الحرم . فاستسقوا ، فقال مرثد بن سعد : واللّه لا تسقون حتى تطيعوا نبيكم ، فقال له جهلمة : [ الوافر ] أبا سعد وإنّك من قبيل * ذوي كرم وإنّك من ثمود أتأمرنا لنترك دين رفد * وزمل آل صدّ والوفود ونترك دين آباء كرام * ذوي رأي ونتبع دين هود ! فإنّا لا نطيعك ما بقينا * ولسنا فاعلين لما تريد ثم قال لمعاوية : امسك مرثدا عنا ، لا يدخلنّ مكة معنا وهو على دين هود . فدخلوا مكة ، وخرج مرثد ، فأدركهم قبل أن يدعوا ، فقال : اللهمّ لا تدخلني في شيء ممّا يدعوك به وفد عاد . وقيل : قال : اللهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا ، فقد هلكنا ، فأنشأ اللّه سحائب ثلاثا : بيضاء ، وحمراء وسوداء ، ونودي من السحائب : يا قيل ، اختر لنفسك ولقومك ، قال : لقد اخترت السّحابة بالسوداء ، لأنها أكثر السحاب ماء فنودي : اخترت رمادا رمددا ، لا
--> ( 1 ) البيت الأول بلا نسبة في كتاب العين 4 / 60 .