أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
477
شرح مقامات الحريري
أبياتا بديعة من قوله ، كان يردّد منها هذا البيت ، ويشير إلى الروضة المعظّمة المطهّرة [ الكامل ] هاتيك روضته تفوح نسيما * صلّوا عليه وسلّموا تسليما وتمادى في وعظه إلى أن أطار النفوس من خشية ورقّة ، وهو يعتذر من التقصير ، لهول ذلك المقام ويقول : عجبا لألكن العجم ، كيف ينطق عند أفصح العرب . وتهافتت الأعاجم عليه معلنين بالتوبة ، وقد طاشت ألبابهم ، ودهشت عقولهم ، فيلقون نواصيهم بين يديه ، فيستدعي الجلمين ، ويجرّها ناصية ناصية ، وكلّما جزّ ناصية كساها عمامة ، فتوضع عليه للحين عمامة أخرى ، ثم ختم مجلسه ، بأن قال : معشر الحاضرين ، قد تكلّمت لكم ليلة بحرم اللّه ، وهذه الليلة بحرم رسوله ؛ ولا بد للواعظ من كدية ، وأنا أسألكم حاجة وإن ضمنتوها إلي أرقت لكم ماء وجهي في ذكرها . فأعلن الناس بالاسعاف وشهيقهم قد علا ، فقال : حاجتي أن تكشفوا رءوسكم ، وتبسطوا أيديكم ، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عنّي ويسترضي اللّه عزّ وجل لي . ثم أخذ في تعداد ذنوبه ، والاعتراف بها ، فأطار الناس عمائمهم ، وبسطوا أيديهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، داعين له باكين متضرّعين ؛ فما رأيت ليلة أكثر دموعا ، ولا أعظم خشوعا من تلك الليلة . ثم انفضّ المجلس . قال ابن جبير رحمه اللّه : ثم كان في اليوم التالي لهذه اللّيلة وداعنا للروضة المكرّمة ، فيا له وداعا ، ذهلت له النفوس ارتياعا ، حتى طارت شعاعا ، وما ظنّك بموقف ينادى بالتوديع فيه سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ، ورسول رب العالمين ! إنه لموقف تنفطر فيه الأفئدة ، وتطيش له الألباب المتّئدة ، فوا أسفاه وا أسفاه ! كلّ يبوح لديه بأشواقه ، ولا يجد بدّا من فراقه ، فما تستطيع إلى الصبر سبيلا ، ولا تسمع في ذلك المقام إلّا رنّة وعويلا ، وكلّ بلسان الحال ينشد : [ مخلع البسيط ] محبّتي تقتضي مقامي * وحالتي تقتضي الرّحيلا بوّأنا اللّه بزيارة هذا النبيّ الكريم منزل الكرامة ، وجعله شفيعا لنا يوم القيامة ، وأحلّنا بفضله في جواره الكريم دار المقامة . ثم ذكر الرّوضة المقدّسة مع المسجد العتيق الذي احتوى على الروضة ، فقال : المسجد المبارك مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مستطيل ، وتحفّه من جهاته الأربع بلاطات مستطيلة ، ووسطه كلّه صحن مفروش بالحصى والرّمل ، وفي الصحن خمس عشرة نخلة ، فالجهة القبلية لها خمس بلاطات مستطيلة من غرب إلى شرق ، والجنوبيّة كذلك ، على الصفة المذكورة والشرقيّة لها ثلاث بلاطات ، والغربيّة لها أربع بلاطات . وطول المسجد مائة خطوة وست وتسعون خطوة ، وسعته مائة وست وعشرون خطوة ، وعدد سواريه مائتان وتسعون ، وهي أعمدة متصلة بالسّمك دون قسيّ تنعطف عليها ، فكأنّها دعائم