أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

474

شرح مقامات الحريري

وقال المزنيّ : دخلت عليه غداة وفاته فقلت له : كيف أصبحت يا أبا عبد اللّه ؟ قال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولكأس المنية شاربا ، ولا أدري إلى الجنة تصير نفسي فأهنّئها أم إلى النار فأعزّيها ! ثم أنشأ يقول : [ الطويل ] ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته * بعفوك ربّي كان عفوك أعظما وكانت وفاته في رجب ليلة الجمعة سنة أربع ومائتين ، ودفن في صبيحتها وهو ابن أربع وخمسين سنة ، وصلّى عليه السّري بن الحكم أمير مصر ، ودفن بها نحو قبور الشهداء في مقبرة بني عبد الحكم وعند رأسه عمود من الحجر كبير ، وفيه مكتوب : « هذا قبر محمد بن إدريس الشافعيّ أمين اللّه » . وقال الشافعيّ : أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ، ورغب في مودة من لا ينفعه ، وقبل مدح من لا يعرفه . وقال : من غلبت عليه شدة الشهوة بحبّ الدنيا لزمته العبودية لأهلها ، ومن رضي بالقنع زال عنه الخضوع . وقال الربيع بن سليمان : سمعت الشافعيّ يقول : [ الطويل ] وأنزلني طول النوى دار غربة * يجاورني من ليس مثلي يشاكله أخامقة حتى يقال سجيّة * ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله قال : وسمعته ينشد : [ الطويل ] صن النفس واحملها على ما يزينها * تعش سالما والقول فيك جميل ولا تولينّ الناس إلا تجمّلا * نبا بك دهر أو جفاك خليل وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد * عسى نكبات الدهر عنك تزول ولا خير في ودّ امرئ متلوّم * إذا الريح مالت مال حيث تميل وما أكثر الإخوان حين تعدّهم * ولكنّهم في النائبات قليل ! قال : وسمع رجلا يشفه على رجل من أهل العلم ، فقال لأصحابه : نزّهوا أسماعكم عن استماع الخنى ، كما تنزّهون ألسنتكم عن النطق به ، فإن المستمع شريك القائل ، وإنّ السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه ، فيحرص على أن يفرغه في أوعيتكم . نظم بعضه هذا المعنى ، فقال : [ المتقارب ] فسمعك صن عن سماع الخنى * كصون اللّسان عن النّطق به فإنك عند استماع الخنى * شريك لقائله فانتبه وكان الحسن البصريّ رحمه اللّه ، إذا خطب الحجاج ، وذكر السّلف ، يتكلّم تشاغلا