أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

46

شرح مقامات الحريري

في كلّ معدن ، ولا يفقد معه وجه العديم ، ولا يثقل اليد ، ولا يرتفع في السّوم . وكان سليمان إذا شرب في إناء كلحت في وجهه مردة الجنّ ، فعلّمه اللّه تعالى صنعة القوارير ، فحسم عن نفسه تلك الجراءة . ومن كرع فيه فكأنّما كرع في إناء من ماء وهواء ونور ، وقد تقدح النار من كسر قنّينة الزجاج إذا كان فيها ماء لأنّ طبع الزجاج والماء ، والهواء والشمس واحد ، وليس فيما يدور الفلك عليه أقبل لكلّ صبغ منه وأجدر ألّا يفارقه ؛ حتى كأن ذلك الصّبغ جوهرية فيه . ومتى سقط عليه ضياء أنفذه إلى الجانب الآخر ، وأعاره لونه ، فإن كان الجام ذا لونين ، أراك الوشي أحسن من وشى صنعاء ، ومن ديباج تستر وإذا وقع شعاع المصباح على جوهر الزّجاج صار المصباح والقنديل مصباحا واحدا ، وردّ الضياء كل واحد منهما على صاحبه . واعتبروا ذلك بالشّعاع الذي يسقط على المرآة على وجه الماء ، أو على الزجاج ، ثم انظروا كيف يتضاعف نوره ، وإن كان سقوطه على عين إنسان أعشاه وربما أعماه ، قال اللّه تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [ النور : 25 ] ، والزيت في الزجاجة نور على نور . قال اللّه تعالى : إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [ النمل : 44 ] . وقال تعالى : وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [ الإنسان : 15 ] فاشتق اسما للفضة منها . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لحادي بإبله : « يا أنيس ارفق بالقوارير » « 1 » ، فاشتقّ للنساء اسما منه . وقدوره أطيب طعاما من قدور الحجارة ، وهي لا تصدأ ، وإن اتسخت فالماء وحده لها جلاء ، ومتى غسلت عادت جددا . واسم الذهب يتطيّر منه ، وإن سقط عليك قتلك . ومن لؤمه سرعته إلى بيوت اللئام ، وإبطاؤه عن بيوت الكرام ؛ وهو من مصائد الشيطان ، ولذلك قالوا : أهلك الرّجال الأحمران ، وهو فتّان قتّال لمن أصابه . فلم يبق في المجلس أحدا إلا تحيّر من ذلك وتعجّب من بلاغته وحسن بديهته ، واحتجاجه في معارضته من غير رويّة ، وأيقن أنه ليس دون اللسان حاجز ، وأنّه مخراق يذهب في كلّ فنّ ، فإذا صح العقل صحّ تقويم اللسان . قوله « القطائف » ، هي ما يجنى من الثمار ، يريد بها الحلوى التي حرّمهم أكلها والرتق : السدّ والإغلاق وهو ضد الفتق ، ويقال : هو الفاتق الراتق ، أي هو مالك لأمر ، فهو يفتح ويغلق ويضيق ويوسع . ورتق : ضمّ وجمع ، وامرأة رتقاء : لا يصل إليها

--> ( 1 ) روي بطرق وأسانيد متعددة أخرجه البخاري في الأدب باب 116 ، وأحمد في المسند 3 / 172 . بلفظ : « ارفق يا أنشجة ويحك بالقوارير » .