أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

434

شرح مقامات الحريري

وقال الفنجديهيّ : رأيت بخط الحريريّ : اشتمل الصّمّاء ، أي التحف بثوب جلّل جسده ، وقيل لها صمّاء لأنها لا منفذ فيها كالصخرة الصماء ، التي لا صدع فيها ولا خرق ، وهي عند الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه ، فتبدو عورته ، فنهي عن ذلك . وقال الأزهريّ : هذا أصحّ الكلام ، والفقهاء أعلم بتأويل هذا . والقرفصاء : أن يقعد على أليتيه ، وينصب ساقيه ، ويلصق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه فيضعهما على ساقيه ، قاله أبو عبيد . وقيل : هي جلسة المحتبي ، ثم يرفع فخذيه وركبتيه إلى صدره ، ويدير يديه على ساقيه ، ويشدّهما ، فإذا فعلت ذلك بالرجل وشدّدت يديك عليه ، فقد قرفصته . الفنجديهي : رأيت بخط الحريريّ : معناه أن يحتبي بيديه ، قال أبو أمامة : كان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يجلس القرفصاء فيضع يده اليمنى على الشمال عند المفصل « 1 » . وتقرفص الرّجل ، إذا جمع يديه وانضمّ من جرب أو قروح به . أعيان : أشراف . محتفّون : محلّقون ، والمنزل محفوف بالناس إذا اجتمعوا بحفافيه ، أي بجانبيه . والأخلاط : الدّون من الناس . والمعضلات : الغامضات من الكلام الصّعب . واستوضحوا ، أي طلبوا منّي إيضاحها ، أي بيانها . فطر : خلق ، وفطر اللّه الخلق ابتدأ خلقهم ، قال ابن عباس : ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى احتكم إليّ أعرابيّان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأتها ، وقال اللّه تعالى : إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [ هود : 51 ] أي خلقني . ويتفطّرن : يتشقّقن ، وانفطرت : تشقّقت . وعلّم آدم الأسماء كلّها ، أي علمه أسماء كل شيء من المخلوقات . وفقيه العرب ، أي عالمهم ، وقال تعالى : لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [ التوبة : 22 ] أي ليكونوا علماء به ، وكلّ عالم بشيء فهو فقيه فيه ، ويقال : فقهت عنك ، أي فهمت ، وفقهت فقها ، أي صرت فقيها ، وهو الحاذق بما يعلمه ، وفقهت الرجل : غلبته في الفقه ، العرباء : الخالصة ، وهذا الادّعاء الذي يدعى الآن يسمى انتحال العلم . وقال بعض الحكماء : لا ينبغي لأحد أن ينتحل العلم . وقال مقاتل بن سليمان يوما ، وقد دخلته أبّهة العلم : سلوني عمّا تحت العرش إلى أسفل الثرى ، فقال له رجل : ما نسألك عن شيء من ذلك ، إنّما نسألك عما معك في الأرض ، أخبرني عن كلب أهل الكهف ما كان لونه ؟ فأفحمه . ولما شهرت تآليف ابن قتيبة ، ولحظ بعين العالم المتفنّن ، صعد المنبر ، وقد غصّ المحفل واعتلى ، تبريزا على علماء وقته ، مع فضل جاه اشتمل به من السلطان ، فقال :

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 22 ، بلفظ : « رأت النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء » ، ورواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 4 / 47 . بلفظ : « فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جالس القرفصاء » .