أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

415

شرح مقامات الحريري

والحرم له ثلاثمائة سوار من الرخام ، وذرع الحرم في الطول أربعمائة ذراع ، وفي العرض ثلاثمائة ذراع ، فتكسيره ثمانية وأربعون مرجعا ، وله تسع صوامع وتسعة عشر بابا ، أكثرها مفتّح على الأبواب ، منها باب الصفا ، وهو مفتح على خمسة أبواب ، وهو أكبرها ، وعليه يخرج إلى السعي بين الصفا والمروة . وللصفا أربع عشرة درجة ، وللمروة خمسة ، وما بين الصفا والمروة ميل ، وهو اليوم سوق جميل ، يجمع الفواكه بمكّة وحوانيت الباعة يمين وشمال فلا يكاد الساعون يخلصون للسعي لكثرة الزحام . وقبّة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود ، منها إليه أربع وعشرون خطوة ، وداخلها مفروش بالرخام الأبيض وتنور البئر في وسطها من رخام دوره أربعون شبرا ، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف ، وغلظه شبر ، وعمقه إحدى عشرة قامة ، وعمق الماء سبع ، وباب القبة ناظر إلى الشرق . ثم ذكر في البيت وما يتصل به من البئر من ذلك غرائب من صنع الرخام والنقوش وغير ذلك أشياء لا يسع كتابنا ذكرها ، فلنقتصر على هذا القدر . * * * فعصفت بي ريح الغرام ، واهتاج لي شوق إلى البيت الحرام ؛ فزممت ناقتي ، ونبذت علقي وعلاقتي : [ الوافر ] وقلت للائمي أقصر فإنّي * سأختار المقام على المقام وأنفق ما جمعت بأرض جمع * وأسلو بالحطيم عن الحطام ثمّ انتظمت مع رفقة كنجوم اللّيل ، لهم في السّير ، جرية السّيل ، وإلى الخير جري الخيل ؛ فلم نزل بين إدلاج وتأويب ، وإيجاف وتقريب ، إلى أن حبتنا أيدي المطايا بالتّحفة ، في إيصالنا إلى الجحفة ؛ فحللناها متأهّبين للإحرام ، متباشرين بإدراك المرام ، فلم يك إلّا أن أنخنا بها الرّكائب ، وحططنا الحقائب ، حتّى طلع علينا من بين الهضاب ، شخص ضاحي الإهاب ؛ وهو ينادي : يا أهل ذا النادي ، هلمّ إلى ما ينجي يوم التّنادي . فانخرط إليه الحجيج وانصلتوا ، واحتفّوا به وأنصتوا . فلمّا رأى تأثّفهم حوله ، واستعظامهم قوله ، تسنّم إحدى الآكام ، ثم تنحنح مستفتحا للكلام ، وقال : * * * قوله : عصفت ، تحرّكت واشتدّت . الغرام : الشوق . اهتاج : تحرّك . زممت : شددت زمامها . نبذت : رميت . علقي : ما يتعلق به ويمسكه عن إرادته . علاقتي : ما