أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
412
شرح مقامات الحريري
يذكر أنها التي جعل إبراهيم عليه السلام أجزاء الطير عليها ، ثم دعاها عند قوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 26 ] . وعند إجازتك بالزّاهر تمرّ بالوادي المعروف بذي طوى ، كان ابن عمر رضي اللّه عنهما يغتسل فيه عند دخوله مكة ، وفيه نزل النبيّ عليه الصلاة والسلام عند دخوله ، وفيه مسجد إبراهيم عليه السلام ، وفيه آبار نعرف بالشّبيكة . ثم تخرج من الوادي إلى أعلام ، وهي أحجار موضوعة بين الحلّ والحرم ، كالأبراج المصفوفة ، فداخلها إلى جهة مكة حرم ، وهي كالأبراج ، وآخذة من أعلى جبل ، يعترض عن يمين الطريق في [ التوجّه ] إلى العمرة ، وينشق الطريق إلى جبل عن يساره ، وهما ميقات المعتمرين ، [ وفيها مساجد مبنية بالحجارة ] وخارجها بنحو غلوتين مسجد عائشة رضي اللّه عنها . ومن جبال مكة جبال أبي قبيس ، وهو على الحرم في الجهة الشرقية يقابل الحجر الأسود ، في أعلاه مسجد عليه سطح يشرف على مكة ، ويظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة ، وهو مستودع الحجر الأسود من الطوفان ، حتى أدّاه إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وفيه قبر آدم عليه السلام ، وهو أحد أخشبي مكة ، والأخشب الثاني المتصل بقعيقعان في الجهة الغربيّة ، وفيه موقف النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، عند انشقاق القمر . ومن جبالها حراء ، على مقدار فرسخ ، ومشرف على منى ، وهو مرتفع في الهواء ، كان متعبّد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي اهتزّ تحته ، فقال : اسكن حراء ، فما عليك إلا نبيّ وصدّيق وشهيدان ، لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي اللّه عنهما ، وفيه نزلت أول آية من القرآن ، وهو آخذ من المغرب إلى الشمال ، وعلى طرفه الشماليّ جبّانة الحجون المتقدمة . ومن جبالها جبل ثور ، وهو في الجهة اليمانية على فرسخ أو أزيد ، وفيه الغار الذي أوى إليه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى مقربة من الغار قبة جبريل ، وهي عمود منقطع من الجبال ، قد قام شبه الذراع المرتفعة مقدار نصف القامة ، وانبسط من أعلى شبه الكفّ ، كأنّه قبّة مبسوطة ، يستظلّ تحتها نحو العشرين رجلا ، ومن مكة إلى منى نحو خمسة أميال . ومنى مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختطاط ، وقد خربت اليوم إلّا منازل يسيرة محدثة للنزول ، كان الطريق إليها الميدان اتساعا وانفساحا . وأوّل ما يلقى المتوجّه إليها بقربها مسجد البيعة التي عقدها العباس للنبي صلّى اللّه عليه وسلم على الأنصار ، ثم يفضي بها إلى جمرة العقبة ، وهي أوّل منى وعليها مسجد ، وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم المذكورة ، يجعله الرامي عن يمينه مستقبلا مكة ، ويرمي بها سبع حصيات يوم النحر أثر طلوع الشمس ، ثم ينحر أو يذبح ، ويحلّق أو يقصّر ، ومنى كلّها منحر ، ويحلّ له كلّ الأشياء إلا النساء ، وبعدها الجمرة الوسطى ، وبها أيضا علم ، وبين الجمرتين قدر غلوة ، وبعدها بمقدار غلوة الجمرة الأولى التي ترمى وقت الزوال ثاني يوم النّحر بسبع حصيات ، وفي