أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

401

شرح مقامات الحريري

[ من الخطب الهزلية ] ومما يتصل بخطبة المقامة من الخطب الهزلية ما حدّثوا : أن رجلا خطب إلى قوم ، وجاء يخطب ، فاستفتح خطبة النكاح بحمد اللّه فأطال ، ثم ذكر خلق السماوات والأرض واقتصر ، ثم ذكر القرون حتى ضجر من حضر ، ثم التفت إلى الخاطب فقال : ما اسمك أعزك اللّه ؟ فقال : واللّه قد نسيت اسمي من طول خطبتك ، وهي طالق ثلاثا إن تزوّجتها بهذه الخطبة . فضحك القوم وعقدوا له في مجلس آخر . أنكح خالد بن صفوان عبده أمته ، فقال له العبد : لو دعوت الناس فخطبت . قال : ادعهم أنت ، فدعاهم ، فلمّا اجتمعوا تكلّم خالد ، فقال : إن اللّه أعظم وأجلّ من أن يذكر في نكاح هذين الكلبين ، وأنا أشهدكم أني قد زوّجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية . خطب مصعب بن حيّان خطبة نكاح ، فحصر فقال : لقّنوا موتاكم « لا إله إلا اللّه » . فقالت له الجارية : عجّل اللّه موتك ، ألهذا دعوناك ! . خطب ثقيل في تزويج فأطال ، فقام واحد من القوم ، وقال : إذا فرغ الثقيل ، بارك اللّه لكم ، فإن عليّ شغلا أريد المبادرة فيه . وخطب رجل امرأة ، فجعل يخطب وينعظ ، فضرب رأس ذكره بيده وقال : مه ! إليك يساق الحديث . * * * فلمّا فرغ الشيخ من خطبته ، وأبرم للختن عقد خطبته ، تساقط من النّثار ما استغرق حدّ الإكثار ، وأغرى الشّحيح بالإيثار . ثم نهض الشيخ يسحب ذلاذله ، ويقدم أراذله . قال الحارث بن همّام : فتبعته لأنظر عرجة القوم ، وأكمل بهجة اليوم . فعاج بهم إلى سماط زيّنته طهاته ، وتناصفت في الحسن جهاته . فحين ربع كلّ شخص في ربضته ، وطفق يرتع في روضته ، انسللت من الصّف ؛ وفررت من الزّحف فحانت من الشيخ لفتة إليّ ، ونظرة هجم بها طرفه عليّ ، فقال : إلى أين يا برم ؟ هلّا عاشرت معاشرة من فيه كرم ! فقلت : والّذي خلقها طباقا ، وطبّقها إشراقا لا ذقت لماقا ، ولا لست رقاقا ، أو تخبرني : أين مدبّ صباك ، ومن أين مهبّ صباك ؟ فتنفّس الصّعداء مرارا ، وأرسل البكاء مدرارا ، حتّى إذا استنزف الدّمع ، استنصت الجمع ، وقال لي : أرعني السّمع . * * * قوله : أبرم ، أي أحكم وسدّد والختن : وليّ الزوجة مثل الأب والأخ وابن العم ،