أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
399
شرح مقامات الحريري
عيائل كركاب وركائب ، وأعال فهو معيل : كثر عياله ، وعالهم يعولهم . وفي الحديث : « ابدأ بمن تعول » ، ومن كلام العرب : واللّه لقد علت حتى علت أي صنت عيالي حتى افتقرت . وأما قوله تعالى : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا [ النساء : 8 ] فمعناه ألّا تجوروا . وقال بعض العرب لحاكم حكم عليه بما لم يوافقه : واللّه لقد علت عليّ في الحكم ، أي جرت ، ومن فسّر في الآية تَعُولُوا أنّ معناه تكثر عيالكم فقد وهم . * * * [ عهد الصابي في التطفيل ] وإذ فرغنا من تفسير هذه الخطبة الهزلية ، وقد قدّمنا أن ابن همام في هذه المقامة طفيليّ ، فنذكر هنا العهد الذي كتب الصابي بأمر معز الدولة لمحمّد بن فريعة الطفيليّ ببغداد ، وقد استخلفه على التطفيل ؛ فإن هذا العهد يوافق خطبة المقامة في كثير من أغراضها . وذلك عهد عهده محمد بن عبد الرحمن إلى الفضل بن النعمان ، حين استخلفه على سنّته ، واستنابه على حياطة رسومه وسنته ؛ من التطفيل على أهل مدينة السلام ، وما يتصل بها من أرباضها وأكنافها ، وما يجري معها من سوادها وبياضها وأطرافها ، لما توسّمه فيه من قلة الحياء ، وشدّة اللقاء ، وكثرة اللقم ، وجودة الهضم . وأمره أن يتوسّم اسم التطفيل ومعناه ، ويعرف مغزاه ومنحاه ويتصفّحه تصفّح الباحث عن حظه بمجهوده ، غير القائل فيه بتسليمه وتقليده ، فإنّ كثيرا من الناس قد نسب صاحبه للشّره والنّهم ، وحمله على الجشع والقرم ، فمنهم من غلط في استدلاله ، فأساء في مقاله ، ومنهم من شحّ بماله ، فدفع عنه باحتياله ، وكلا الفريقين مذموم ، وجميعهما مليم ملوم ، ولا يتعلقان بعذر واضح ، ولا يتعرّيان من لباس فاضح . وقد عرفت يا أخي بالتطفيل ، ولا عار فيه عند ذوي التحصيل ، لأن التطفيل مشتق من الطّفل ، وهو وقت المساء وأوان العشاء ، فلما كثر استعمل في صدر النهار وعجزه ، وأوله وآخره ، كما قيل : القمران للشمس والقمر ، وكما قيل العمران لأبي بكر وعمر . وأمره أن يعتمد موائد الكبراء والعظماء بعراياه ، ويبسط الأمر بسراياه ، فإنه يظفر من إرادته بالغنيمة الباردة ، ويصل بها إلى الغريبة الشاردة . فيجد بها من ظرائف الألوان ، الملذّذة للسان ، وبدائع الطعوم ، السائغة في الحلقوم ، ما لا يجده عند غيرهم ، ولا يناله إلا لديهم ، لحذق صناعتهم وجودة أدواتهم ، وخصب ناديهم ، وكثرة ذات أيديهم ؛ واللّه يوفر من ذلك حظّنا ، ويسدّد نحوه لحظنا ، ويوضّح عليه دليلنا ، ويسهّل إليه سبيلنا . وأمره أن يجتلب التّكرمة ممن يحصل منهم ودّه ، ويستدعي بالتلطف نائله ورفده ، وكثيرا ما يتّفق ذلك للمداخلين ، ويتيسر للمتوصّلين .