أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

393

شرح مقامات الحريري

أخاه ما يريده . فدعا قباذ المنذر ليدخل في هذا المذهب ، فأنف ، وأبى المنذر هذا الفعل الخسيس ، فطرده قباذ من مملكته ، ونفاه عن الحيرة . ودعا الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ، فأجابه . وكان الحارث شديد الملك ، فشدّد له ملكه ، وكانت أم أنوشروان بين يدي قباذ يوما ، فدخل عليه مزدك ، فلما رآها قال لقباذ : ادفعها إليّ لأقضي حاجتي منها . قال له قباذ . دونكها ، فوثب إليه أنوشروان ، فلم يزل يسأله أن يهب له أمّه حتى قبّل رجليه ، فتركها له . فلما هلك قباذ : وتولّى أنوشروان ، وجلس في مجلسه أقبل المنذر إليه ، وأذن للناس ، فدخل عليه مزدك ، ودخل عليه المنذر ، فقال أنوشروان : كنت أتمنّى أمنيّتين ، أرجو أن يكون اللّه تعالى قد جمعهما لي ، فقال مزدك : وما هما أيها الملك ؟ قال : تمنّيت أن أملك فاستعمل هذا الرجل الشريف - يعني المنذر - وأن أقتل هؤلاء الزنادقة ، فقال له مزدك : أو تستطيع أن تقتل الناس كلّهم ؟ فقال : إنك لها هنا يا بن الزانية ! واللّه ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي ، مذ قبّلت رجليك إلى يومي هذا ، وأمر به ، فقتل وصلب . وقتل في ضحوة واحدة من الزنادقة مائة ألف ، وصلبهم ، وطلب الحارث ، فخرج هاربا بجميع ما معه ، وأخذ المنذر في طلبهم ، فأخذ من بني آكل المرار ثمانية وأربعين رجلا ، فضرب رقابهم وألحّ في طلب امرئ القيس ، فلحق بالسموأل . وتمام القصة في الثالثة والعشرين . * * * قوله : الأحماء ، أي الأختان . ساسان : شيخ المكدين ، قال الفنجديهيّ : ساسان هو أستاذ المكدين ومقدّمهم ، وواضع طرائقهم ومعلّمهم . قال أبو الفتح إسماعيل بن الفضل ابن الإخشيد السراج المكدي في كتابه : حدثنا أبو بكر البطايرني المكدي ، حدّثنا محمد ابن علي بن أحمد الفقيه المكدي ، حدثنا مليك بن صالح المكدي ، قال : سمعت طرارة المكدي ، قال : قال ساسان : ألا أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ؟ قلت : بلى ، قال : هي الكدية . وقوله : أستاذ الأستاذين ، حدّث أحمد بن الحسن ، قال : كنت عند أبي الحسن بن أبي الفضل ، فدخل رجل فذكر أنه شاعر ، فقال : الشعراء ثلاثة : شاعر وشعرور وشعرة ، فأما الشاعر فالمفلق ، والشّعرور المستملح ، والشعرة المستثقل لرداءة شعره . والأستاذون ثلاثة : أستاذ في الدين كالعلماء والفضلاء ، وأستاذ في الدنيا كالوزراء والعمال والولاة ، وأستاذ لا دين عنده يتعلّم منه ولا دنيا ينتفع بها ، كالحجام ، يسمى أستاذا والبنّاء والملاح ، وبنو ساسان : ملوك الفرس . قدوة : مقدّم . الشحاذين : المكدين والشّحّاذ : الملحّ في المسألة ، وشحذت السيف بالغت في صقالته . المبجّل : المعظّم ، يقال : بجّلته تبجيلا ، أي عظمته تعظيما ، مأخوذ من البجيل والبجال ، وهو الرجل الضخم ، وفي الحديث : « أصبتم خيرا تجبيلا » ، أي كثيرا