أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
38
شرح مقامات الحريري
فقال لهم موسى : وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [ طه : 61 ] . فقال بعضهم لبعض : أهكذا يقول ساحرا فخيروه في أن يلقى أو يلقوا ؟ فقال : بل ألقوا ، فخيّلوا بحبالهم وعصيم أشياء حيّروا بها العقول ، من حيّات قد ملأت الوادي ، يركب بعضها بعضا ، ونيران تحرق في ظاهرها ما مرّت به وظلم متكاثفة ، كما وصف اللّه تعالى : وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : 116 ] ، ففزع موسى وأخوه لهول ما رأيا وذلك قوله تعالى : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [ طه : 68 ] الآيات . فألقى موسى عصاه ، فجعلت تلقف كلّ ما خيلوا به ، وكانوا جلبوا آلاتهم في السفن في النيل ، فابتلعت السفن ، وأقبلت فاتحة فاها ، على قبّة فرعون بمن فيها ، ففروا وتعلّقوا بموسى يستنقذون به . فأخذها موسى ، فإذا هي عصا في يده كما كانت ، فوقع السّحرة سجّدا قائلين : آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ طه : 70 ] لما تبيّنوا أن أمر العصا إلهي ، ليس من تخاييلهم ، فقال لهم فرعون : آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [ طه : 71 ] إلى قوله تعالى : وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ، أي لا سلطان لك إلا في الدنيا ولا سلطان لك بعدها ، قالوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ [ الأعراف : 126 ] ، فقتلهم فكانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء . ثم أمر اللّه تعالى نبيّه موسى أن يخرج بني إسرائيل فقال : فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا [ الدخان : 43 ] . فأمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبط ، فخرجوا ليلا ، وألقى اللّه على القبط النوم ، حتى طلعت الشمس ، وكان موسى على ساقة بني إسرائيل وهارون على المقدّمة ، وعدد بني إسرائيل ستمائة ألف وعشرون ألف مقاتل ، لا يعدّون ابن العشرة لصغره ، ولا ابن الستين لكبره . وتبعهم فرعون ، وعلى مقدّمته هامان وهم في ألف ألف وسبعمائة ألف ، فذلك قوله تعالى : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ [ الشعراء : 35 ] . فلمّا تراءى الجمعان ، قالوا : يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا بالذبح ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا ! فقال : كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الشعراء : 62 ] . فأتى موسى البحر ، وكنّاه أبا خالد ، فضربه بعصاه ، فانفلق فكان كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء : 63 ] ، والطود : الجبل ، فصار في البحر اثنا عشر طريقا فدخل كلّ سبط طريقه ، وكلّ سبط يقول : قتل أصحابنا ففتح اللّه بينهم قناطر ، فنظر آخرهم إلى أوّلهم . وجاء فرعون ومن معه ، فأبت خيله أن تقتحم ، فاقتحمها جبريل على فرس أنثى ، فاقتحمت الخيل في أثره ، فلما توسط البحر ، أمر البحر أن يأخذهم ، فانضم عليهم ، فلما أدرك فرعون الغرق ، قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ [ يونس : 90 ] وجعل جبريل يدّس الطين في فمه لئلا يتمّ الكلمة ، فيرحمه اللّه ، وميكائيل يقول : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [ يونس : 91 ] .