أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
376
شرح مقامات الحريري
سنة متّبعة إلّا ما جعل اللّه في ذلك من تأليف البعيد ، وبرّ القريب ، لسارع إليه الموفّق المصيب ، وبادر إليه العاقل اللبيب . وفلان قد عرفتموه في نسب لم تجهلوه ، خطب إليكم فتاتكم فلانة ، وقد بذل لها من الصداق كذا ، فشفّعوا شافعنا ، وأنكوا خاطبنا ، وقولوا خيرا تحمدوا عليه وتؤجروا فيه . أقول قولي هذا ، وأستغفر اللّه لي ولكم . وخطب رجل من بني أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته ، فأطال ، فقال عمر : الحمد للّه ذي الكبرياء ، وصلّى اللّه على محمد خاتم الأنبياء ، أما بعد فإن الرغبة منك دعت إلينا ، وإن الرغبة منا فيك أجابت بنا ، وقد أحسن بك ظنا من أودعك كريمته ، واختارك ولم يختر عليك ، وقد زوّجناك على كتاب اللّه تعالى ، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . وكان الحسن البصريّ رحمه اللّه يقول في خطبة النكاح بعد الحمد والثناء . أما بعد فإن اللّه تعالى جمع لهذا النكاح الأرحام المنقطعة ، والأنساب المفترقة ، وجعل ذلك في سنة من دينه ، ومنهاج من أمره ، وقد خطب فلان إليكم ، وعليه وعليكم من اللّه نعمة ، وهو يبذل من الصدق كذا ، فاستخيروا اللّه ، وردوا خيرا ، يرحمكم اللّه ! الأصمعي رحمه اللّه : كانوا يستحسنون من الخاطب أن يطيل ليدل على الرغبة ، ومن المخطوب إليه الإنجاز ليدل على الإجابة . * * * فلمّا فرغ من خطبته البديعة النّظام ، العريّة من الإعجام ، عقد العقد على الخمس المئين ، وقال لي : بالرّفاء والبنين . ثمّ أحضر الحلواء التي كان أعدّها ، وأبدى الآبدة عندها . فأقبلت إقبال الجماعة عليها ، وكدت أهوي بيدي إليها ، فزجرني عن المؤاكلة ، وأنهضني للمناولة ؛ فو اللّه ما كان بأسرع من تصافح الأجفان ، حتّى خرّ القوم للأذقان . فلمّا رأيتهم كأعجاز نخل خاوية ، أو كصرعى بنت خابية ؛ علمت إنّها لإحدى الكبر ، وأمّ العبر ؛ فقلت له : يا عديّ نفسه ، وعبيد فلسه ، أعددت للقوم حلوى ، أم بلوى ؟ فقال : لم أعد خبيص البنج ، في صحاف الخلنج . فقلت : أقسم بمن أطلعها زهرا ، وهدى بها السّارين طرّا ؛ لقد جئت شيئا نكرا ، وأبقيت لك في المخزيات ذكرا ! * * *