أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

366

شرح مقامات الحريري

فقال : ما دعاك إلى أن لطمت أخاك ؟ فقال : إنه وطئ إزاري ، ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي فيه عيناه ، فقال له عمر : أمّا أنت فقد أقررت ، فإما أن ترضيه وإما أن أقيده منك ، قال : أتقيده مني ، وهو رجل سوقة ! قال : قد شملك وإياه الإسلام ، فما تفضله إلا بالعافية ، قال : قد رجوت أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية ، فقال : هو ذاك ، قال : إذا أتنصّر . قال : إن تنصّرت ضربت عنقك . واجتمع وفد فزارة ووفد جبلة ، وكادت تكون فتنة ، فقال جبلة : أنظرني إلى غد يا أمير المؤمنين . قال : ذلك إليك . فلما كان في جنح الليل خرج في أصحابه إلى القسطنطينية فتنصّر ، وأعظم هرقل قدومه وسرّ به وأقطع له الأموال والرّباع ، فلما بعث عمر رضي اللّه عنه رسوله إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام فأجابه إلى المصالحة ، ثم قال للرسول : أرأيت ابن عمّك الذي أتانا راغبا في ديننا ؟ يعني جبلة ، قال : لا . قال : القه ثم ائتني وخذ الجواب . فذهب فوجد على باب جبلة من الجمع والحجاب والبهجة مثل ما على باب قيصر . قال : فتلطّفت في الأذن حتى دخلت عليه : فرأيت رجلا أصهب اللحية فأنكرته ، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب فذرّها على لحيته ، حتى عاد أصهب ، وهو قاعد على سرير من قوارير . فلما عرفني رفعني معه على السّرير ، وجعل يسائلني عن المسلمين ، فقلت : قد أضعفوا أضعافا على ما تعرف ، وسأل عن عمر رضي اللّه عنه ، فقلت : بخير حال ، فاغتمّ بسلامة عمر ، فانحدرت عن السرير فقال : لم تأبى الكرامة ؟ فقلت : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن هذا ، قال : نعم صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن نقّ قلبك من الدّنس ولا تبال علام قعدت ، فطمعت فيه عند صلاته على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقالت : ويحك يا جبلة ألا تسلم ! وقد عرفت الإسلام وفضله ؟ قال : أبعد ما كان مني ! قلت : نعم ، قد فعل رجل من فزارة أكثر ممّا فعلت ، ارتدّ وضرب أوجه المسلمين بالسيف ثم أسلم ، وقبل منه وخلّفته بالمدينة مسلما . قال : زدني من هذا ، إن كنت تضمن لي أن يزوّجني عمر ابنته ويولّيني الأمر من بعده ، رجعت إلى الإسلام . فضمنت له التزويج ، ولم أضمن الخلافة . فأومأ إلى وصيف بين يديه ، فذهب مسرعا فإذا موائد الذهب قد نصبت بصحائف الفضة ، فقال لي : كل ، فقبضت يدي ، وقلت : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة ، فقال : نعم صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن نقّ قلبك ، وكل فيما أحببت . فأكل في الذهب والفضة ، وأكلت في الخلنج . ثم جيء بطشت من الذهب ، فغسل يديه فيها ، وغسلت في الصّفر . ثم أومأ إلى خادم عن يمينه ، فذهب مسرعا ، فسمعت حسّا ، فإذا خدم معهم كراسيّ مرصعة بالجواهر ، فوضع عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره . وإذا عشر جوار في الشعور ، عليهنّ ثياب الوشي ، مكسّرات في الحلي ، فقعدن عن يمينه ، وقعد مثلهن عن يساره ، وإذا بجارية قد خرجت كالشمس حسنا ، وعلى رأسها تاج عليه