أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
36
شرح مقامات الحريري
ومن عجائبها الحافر ، وهو حجر ياقوت ، شبه حافر الفرس ألصقه أمير المؤمنين بمصحف عثمان . والغريبة الثالثة : فرس ذهب لم يصنعه صانع ، إنما وجد في معدن الذهب وهو عند ملك الحبشة بغانة . والذي غشي فرعون وجنوده من اليمّ ، هو الغرق . واليمّ : البحر الذي ذهبت نفوسهم فيه . [ قصة موسى ] ولا بدّ أن نلمّ بنبذة من خبره ، نكمل بها القصّة حسبما شرطنا ؛ وذلك أنّ موسى عليه الصلاة والسلام ، لمّا خرج فارّا من فرعون حسبما قدمناه في الخامسة ، توجّه إلى مدين ، فبلغها كالّا جائعا فقيرا ، فوجد الناس يسقون كما نص اللّه تعالى : وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [ القصص : 23 ] ، أي يحبسان غنمهما ، فأخبرتاه بأنهما لا يسقيان حتى يصدر الرعاء ، وأن لهما أبا شيخا كبيرا ، فرحمهما واقتلع الصخرة عن البئر - وكان لا يرفعها إلا نفر - فملأ وسقى لهما ، ثم تولّى إلى ظلّ شجرة مثمرة فقال : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : قال هذا موسى ، ولو شاء إنسان أن ينظر إلى خضرة أمعائه من شدة الجوع لفعل - أراد خضرة البقل الذي أكل في طريقه - فرجعت الجاريتان بسرعة إلى أبيهما ، فأنكر مجيئهما قبل الوقت الذي جرت العادة بمجيئهما فيه ، فأخبرتاه خبر موسى ، فأرسل إلى إحداهما فأتته وهي تستحيي منه ، فقالت : إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا [ القصص : 25 ] . فمشى معها ، وهي بين يديه فضرب الريح ثوبها ، فنظر إلى عجيزتها فقال لها : امشي خلفي ، ودلّيني على الطريق ، فلما أتى الشيخ سأله عن شأنه ، فقصّ عليه قصته فقال : لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ القصص : 25 ] فقالت التي دعته : يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [ القصص : 26 ] فقال لها الشيخ : أما القوة فقد خبرته بقلع الصّخرة ، فما يدريك أمانته ؟ قالت له : إني مشيت أمامه فلم يحبّ أن يخونني وردّني خلفه . فقال له : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [ القصص : 27 ] إلى آخر القصة . فلما قضى أجله ، وسار بأهله ، وكان في شتاء ، رفعت له نار فيما رأى فكانت من نور اللّه تعالى ، فقال لأهله : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً [ القصص : 29 ] ، ومعنى تصطلون ، أي من البرد فكان عند إتيانه لها ما أخبر اللّه تعالى من أنّه نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ النمل : 8 ] . ثم قال له : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي أي أضرب بها ورق الشجر للغنم وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [ طه : 17 - 18 ] ؛ من حمل الزاد عليها والسقاء