أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
354
شرح مقامات الحريري
ألف ، ولقبه الإسكندر بالجزيرة ، فدارت بينهم الحروب أربعين يوما ، وخندق دارا على عسكره خمس خنادق ، وجعل على كلّ خندق اثني عشر ألف رجل ، وكانت النوبة لا تصيب الرجل إلا يوما في كل خمسة أيام ، فوجد الإسكندر من ذلك وجدا شديدا ، فبعث إلى دارا : إنّا كدنا نتفانى ، ورأيت رأيا فيه البقاء لنا ولك ، وذلك أن تفرج لي ، فأخرق صفّك خرقا إلى جانب بلادك وأرجع إلى بلادي ، فإنا لا نرى الفرار من الزحف ، وهو عار لا يغسل . فأجابه دارا : لا سبيل إلى ذلك . فلما رأى الإسكندر ذلك وضع البرنس ، وحسر عن رأسه ، وقال : يا معشر الروم ، هذا هو العجز والذلّ عن الانتصار ، هل فيكم من يحتال لي في هذا الأمر ، وله نصف مال الروم والعجم ، ونصف ما في بيوت الأموال ؟ فقد أدركتني الحمية . فبلغ الخبر إلى صاحب حرس دارا فقال : أنا أفعل ذلك وآخذ مالا عظيما . فلما التحم القتال حمل على دارا فطعنه بحربة في ظهره ، فوقع على الأرض وانهزم عسكر دارا . فجاء الإسكندر ووضع رأس دارا في حجره ، ومسح التراب عن وجهه ، وقبّله وبكى ، وقال : الحمد للّه الذي لم يجعل قتلك على يدي ، ولا على يد أحد من جندي ؛ فسل ما بدا لك أقضه ، فقال له دارا : من حاجتي عندك ألّا تخرب بيوت النيران ، وأن تنصفني من قاتلي قبل موتي ، فإنه إن بقي عندك سيكفر معروفك ، كما كفر معروفي . فقال له الإسكندر : حاجتي عندك أن تزوّجني بنتك روشنك ، فقال دارا : على أن تجعل الملك من بعدك لولدك منها ، فأجابه إلى ذلك وزوّجه ابنته ، وأخذ الإسكندر قاتله وقطعه أربع قطع ، واستولى على جميع مملكته . وملك دارا أربع عشرة سنة ، وقيل : ست سنين ، وقسم الإسكندر غنائم عسكره في ثلاثين يوما . وشاور الإسكندر معلمه أرسطاطاليس في أن يقتل من بقي من الفرس ، فقال له : لا تفعل ، ولكن ولّ على كلّ جهة شريفا من أهلها فيتنافسون ، فلا يجمعهم ملك أبدا ، ففعل فهم ملوك الطوائف ، حتى انتزع اردشير منهم الملك ، وقال : إنّ كلمة فرقتنا خمسمائة سنة وتسع عشرة سنة - يعني كلمة أرسطاطاليس - لكلمة بالغة . وملوك الفرس الأول ستة عشر ملكا ، وملوك الفرس الثواني اثنان وثلاثون ، منهم امرأتان . وملك بعد أردشير سابور ، وهو من عظمائهم ، ففتح الحصون ومدن المدن ، وبنى الإيوان وهو بالجانب الشرقيّ من المدائن ، وهو من عجائب البنيان ، وعجائب الفرس كثيرة ، وفي هذه النبذة غنية توافق ما شرطنا . * * * قال : فلمّا اعتورتنا الكئوس ، وطربت النّفوس ، جرّعني اليمين الغموس ، على أن أحفظ عليه النّاموس . فاتّبعت مرامه ، ورعيت ذمامه ، ونزّلته بين الملاء منزلة الفضيل ، وسدلت الذّيل على مخازي اللّيل ، ولم يزل ذلك دابه ودابي ، إلى