أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

353

شرح مقامات الحريري

وكسرى أنوشروان هو الذي بنى سور الأبواب وهو من عجائب الدنيا فلما بناه هادته الملوك وكاتبته . وهو الذي افتتح كثيرا من بلاد الشأم الرومية ، ونقل منها الرخام إلى العراق . وقيل : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولد لاثنتين وعشرين سنة من ملكه ، وقيل : إنه ولد في آخر ملكه كما قدّمنا . ثم ولي من بعده ابنه هرمز ، وكان مضعّفا ، غزته الملوك وطمعت فيه ، ثم خلعته الفرس ، وسملت عينيه . وعقد الملك لابنه أبرويز في حياته ، فبعد حروب شديدة اجتمع لأبرويز أمره ، وكان وزيره بزرجمهر أكثر الفرس حكما ومواعظ . وفي ملكه كانت وقعة ذي قار بين بكر بن وائل ، والهرمز صاحب أبرويز ، لأربعين سنة لمولد النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقيل إنها كانت في غزوة بدر - وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصرت » . وكان على مربط أبرويز خمسون ألف دابّة وألف فيل ، فخرج في أحد أعياده ، وقد صفّت له الجيوش وأحدقت به مائة ألف فارس دون الرجّالة ، وصفّت له الفيلة ، فلما بصرت به سجدت له ، فما رفعت رءوسها حتى رفعت خراطيمها بالمحاجن ، فأعلم بذلك وقال : وددت أنها فارسية ، ولم تكن هندية ، انظروا إلى أدبها من بين سائر الدواب . ثم هدم اللّه تعالى هذا الملك العظيم بالإسلام ، قال الألبيري : [ الكامل ] فطف البلاد لكي ترى آثار من * قد كان يعمرها من الأقيال عصفت بهم ريح الرّدى فذرتهم * ذرو الرياح الهوج حقف رمال فتقطعت أسبابهم وتمزّقت * ولطالما كانوا كنظم لآلي قيل لأبرويز - وكان حكيما : ما شهوة ساعة ؟ قال : الجماع ، قيل : فما شهوة يوم ؟ قال : دخول الحمام ، قيل : فما شهوة جمعة ؟ قال : غسل الثياب ، قيل : فما شهوة شهر ؟ قال : تجديد الثياب ، قيل فما شهوة سنة ؟ قال : تزوج الأبكار قيل : فما شهوة الأبد ؟ قال : أمّا في الدنيا فمشاهدة الإخوان ، وأما في الآخرة فنعيم الجنة . ونظر إلى قذاة في طعام ، فدعا الطباخ فقال : ما هذا ؟ فقال : حاولته بالليل في وقت لم يكن فيه ماء معين ، فأمر بضرب عنقه ، فغضب الطباخ ؛ وقال : يا بن الأشتوربان - تفسيره يا بن سائس الدواب - فعفا عنه ، وقال : إنا معشر الملوك نعاقب في الصغير ، ونعفو عن الكبير . [ دارا بن بهمن ] وأما دارا بن بهمن ، وهو آخر ملوك الفرس الأول ، فإنه كان ضخم الملك ، ذا قدرة ومكانة ، وهو الذي بنى بأرض الجزيرة مدينة دارابجرد ، وكانت جنده ستمائة