أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
352
شرح مقامات الحريري
وبعث له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن حذافة بن قيس ، وكتب له : بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد رسول اللّه النبيّ إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتّبع الهدى ، وآمن باللّه ورسوله ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أدعوك بدعاية اللّه عزّ وجل فإني رسول اللّه إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين ، فأسلم تسلم ، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك . فلما قرأ الكتاب شقّه ، وقال : يكتب إليّ بهذا وهو عبدي ! فبلغ الخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « مزّقه مزّق اللّه ملكه » أو قال : « اللّهم مزّقهم كل ممزّق » « 1 » . ثم كتب كسرى إلى باذان ، وهو على اليمين : أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين يأتياني به . فبعث باذان قهرمانه - وكان كاتبا حاسبا ، وهو بابومة ، وبعث معه برجل من الفرس ، وكتب معهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى ، وقال لبابومة : ويلك ! انظر من الرجل ، وكلّمه ، وائتني بخبره . فخرجا حتى قدما الطائف ، فسألا عنه فقالوا : هو بالمدينة ، واستبشر أهل الطائف ، وقالوا : نصب له كسرى ، كفيتم الرجل ، فخرجا حتى قدم المدينة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فكلّمه بابومة وقال : إنّ شاهنشاه ملك الملوك كسرى كتب إلى باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك ، وقد بعثني إليك لتنطلق معي ، فإن فعلت كتبت فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ، ويكفّ عنك به ، وإن أبيت فهو من قد علمت ، وهو مهلكك ومهلك قومك ، ومخرّب بلادك . فقال لهما : ارجعا حتى تأتياني غدا . وأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الخبر أن اللّه تعالى قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه ، فقتله في ليلة كذا في شهر كذا ، بعد ما مضى من الليل كذا سلّط اللّه عليه ابنه ، فقتله . فقالا : هل تدري ما تقول ؟ فإنا قد خفنا منك ما هو أيسر من هذا ، أفنكتب به عنك ونخبر الملك ؟ قال : نعم ، أخبراه ذلك عني وقولا له : إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى ، وقولا له : إن أسلمت أعطيتك الناس تحت يدك ، وملّكتك على قومك من الأبناء . فخرجا من عنده حتى قدما على باذان ، فأخبراه الخبر ، فقال : واللّه ما هذا بكلام ملك ، وإني لأرى الرجل نبيّا ، فإن كان ما قال حقا ، فهو نبيّ مرسل ، فإن لم يكن فسأرى فيه رأيا . فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شيرويه ، وفيه : أمّا بعد ، فإني قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس ، ممّا كان استحلّ من قتل أشرافهم ؛ فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممّن قبلك ، وانظر إلى الرجل الذي كتب لك فيه ، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه ، فقال باذان : إنّ هذا الرجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 7 ، والجهاد باب 101 ، والمغازي باب 82 ، والآحاد باب 4 ، وأحمد في المسند 1 / 243 ، 305 .