أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

349

شرح مقامات الحريري

ومن ذلك ما كتب به يحيى بن خالد لابنه الفضل حين بعث فيه أهل خراسان كتابا إلى الرشيد : إنه مستغل بالصيد وإدمان اللذات ؛ فرمى به إلى يحيى وقال : يا أبت اكتب إليه بما يردعه ، فكتب على ظهر الكتاب : حفظك اللّه يا بنيّ ، وأمتع بك . فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التّشاغل بالصيد وإدمان اللذات ، فعاود ما هو أليق بك وأزين لك ، فإنه من عاد إلى ما يزينه ، وترك ما يشينه ، لم يعرفه أهل دهره إلا به . وقد قلت أبياتا فالتزمها ، وإن جاوزتها عزلتك عن سخط ، ولم أكلمك حولا ، وكتب إليه : [ السريع ] انصب نهارا في طلاب العلا * واصبر على فقد لقاء الحبيب حتى إذا الليل أتى مقبلا * واستترت فيه عيون الرقيب فباشر الليل بما تشتهي * فإنّما الليل نهار الأريب كم من فتى تحسبه ناسكا * قد لقي الليل بأمر عجيب ألقى عليه الليل أثوابه * فبات في لهو وعيش خصيب ولذة الأحمق مشهورة * يرصدها كلّ حسود رقيب فامتثل ما فيها حتى عزل عنها . وقال الحلواني في ضده : [ الكامل ] أنت الّذي قسم الزمان لنفسه * قسمين بين رئاسة ومتاب أعطى لمرتبة العلاء نهاره * منها وجنح اللّيل للمحراب وقال الفنجديهي في قوله : أنا بالنهار خطيب وبالليل أطيب ، معناه أنا صالح المنظر ، فاسد المخبر ، أنظر في مرآة المراءات ، وأسّر مساواة المساءات ، وأديم المناجاة جلوة ، وأقيم المداجاة خلوة ، آمر الناس بالرّشاد ، وأنا أتوسّد وسادة الفساد . وقال ابن عمر رضي اللّه عنهما : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من أحسن الصلاة حين يراه الناس ، ثم أساءها حين يخلو ، فتلك استهانة يستهين بها ربه » . قوله : تسليك عن أناسك ، أي اشتغالك عن أهلك وبلدك ، وهو مسقط رأسه ، أي الموضع الذي سقط فيه رأسه عند ولادته . خطابتك : فصاحتك في خطبتك . إدناسك : عيبك وتلطيخ عرضك . مدار : دورانه في أيدي الشاربين . * * * فأشاح بوجهه عنّي ، وقال : اسمع منّي : [ المنسرح ] لا تبك إلفا نأى ولا دارا * ودر مع الدّهر كيفما دارا واتّخذ النّاس كلّهم سكنا * ومثّل الأرض كلّها دارا