أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

342

شرح مقامات الحريري

بياضه وكثرة الخضرة والخصب بالموضع ، وجلس على خشب بسط له على الماء ، وطرح فيه درهم ، فقرأ كتابته في قرار الماء لصفائه ، ولم يقدر أحد يدخل الماء لشدّة برده ، فلاحت سمكة نحو الذراع ، كأنها سبيكة فضة ، فنزل بعض الفرّاشين فأخذها ، فاضطربت في يده وتململت ، ووقعت في الماء ، فنضح منه على صدر المأمون ، ثم أخذها ووضعها بين يديه في منديل ، تضطرب ، فأمر بأن تقلى الساعة ، فأخذته رعدة من ساعته ، ولم يقدر يتحرّك ، فغطّي باللحف ، وهو يرتعد ، ويصيح : البرد ، فأتي بالسمكة فلم يقدر عليها ، وسال على جسمه عرق كالرّب لم يعرفه الأطباء ، فلما ثقل قال : أخرجوني أنظر إلى عسكري ، وأنظر إلى مالي وملكي ، وذلك ليلا ، فأشرف على الجيش وانتشاره ونيرانه : فقال : يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه ، فلما ثقل رنا بطرفه نحو السماء ، وقد امتلأت عيناه دموعا ، فقال : يا من لا يموت ارحم من يموت ، وقضي عليه من ساعته . وكان كثيرا ما ينشد : [ المتقارب ] ومن لم يزل غرضا للمنو * ن تتركه ذات يوم عميدا وإن أخطأت مرة نفسه * فيوشك مخطئها أن يعودا فبينا يحيد وتخطئنه * قصدن فأعجلنه أن يحيدا وذكر أبو المواريث قاضي نصيبين ، أنه رأى في المنام ليلة قائلا ، يقول : [ البسيط ] يا نائم الليل في جثمان يقظان * ما بال عينيك لا تبكي بتهتان إن الليالي لم تحسن إلى أحد * إلا أساءت إليه بعد إحسان هلا رأيت صروف الدهر ما فعلت * بالهاشميّ وبالفتح بن خاقان - يعني المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان - قال : فأتى البريد بقتلهما في تلك الليلة . وقال سابق البربريّ : [ البسيط ] وربّ أغيد ساجي الطّرف معتصب * بالتاج نيرانه للحرب تستعر يظلّ مفترش الدّيباج محتجبا * إليه تبنى قباب الملك والحجر قد غادرته المنايا فهو مستلب * مجندل ترب الخدّين منعفر * * * همّه سكّ المسامع ، وسحّ المدامع ، وإكداء المطامع ، وإرداء المسمع والسّامع عمّ حكمه الملوك والرّعاع ، والمسود والمطاع ، والمحسود والحسّاد ، والأساود والآساد ، ما موّل إلّا مال ، وعكس الآمال ، وما وصل إلّا وصال ،