أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
334
شرح مقامات الحريري
لعمري قد حذّرت قرطا وجاره * ولا ينفع التحذير من ليس يحذر نهيتهما عن نورة أحرقتهما * وحمام سوء ناره تتسعّر فما منهما إلا أتاني موقعا * به أثر من مسها يتقشّر أحدّكما لم تعلما أنّ جارنا * أبا الحسل بالبيداء لا يتنوّر ولم تعلما حمّامنا في بلادنا * إذا جعل الحرباء في الجدب يحضر ورد أعرابيّ البصرة ، فنزل على ابن عمّ له ، فلما رأى البصريّ شعث الأعرابيّ ، أراد أن ينظّفه ، فقال له يوم جمعة : إنّ الناس يتطهّرون للجمعة ، ويتنظّفون ، ويلبسون أحسن الملابس ، فتعال أدخلك الحمّام لتتنظّف من قشف السفر والبادية ، وتتطهّر للصلاة ، فدخل معه الحمام ، فعند ما وطئ الأعرابيّ فرش أوّل بيت في الحمام ، لم يحسن المشي عليها لشدة ملاستها فزلق ، وسقط لوجهه ، وصادفت جبهته حرف مدخل البيت ، فشجّه شجّة منكرة فخرج مرعوبا وهو ينشد ، ودماؤه تسيل : [ الكامل ] وقالوا تطهّر إنّه يوم جمعة * فأبت من الحمّام غير مطهّر تزوّدت منه شجّة فوق حاجبي * بغير جهاد بئسما كان متجري يقول لي الأعراب حين رأينني * به لا بظبي بالصّريمة أعفر وما تعرف الأعراب مشيا بأرضها * فكيف يبيت ذي رخام ومرمر وقال ابن سكّرة : دخلت حماما ، فخرجت وقد سرق مداسي ، فعدت إلى داري حافيا وأنا أقول : [ الوافر ] إليك أذمّ حمّام ابن موسى * فإن فاق المنى طيبا وحرّا تكاثرت اللّصوص عليه حتى * ليحفى من يطيف به ويعرى ولم أفقد به ثوبا ولكن * دخلت محمدا وخرجت بشرا يريد بشرا الحافي ، وكان من كبار الزهاد ، ولزم المشي حافيا فلقّب به . * * * وقوله : أمطت ، أي أزلت . وعثاء السفر : شدته ومشقته ، وفي الحديث : « اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب » ، وأصله من الوعث ، وهو الدّهس ، أي الرمل الدقيق . وقيل : الوعث الرمل تغيب فيه القوائم ، وقيل : هو الطريق الخشن الصعب . بالأثر ، أي بالحديث المرويّ . وفي حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من اغتسل يوم جمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة ، ومن راح في الثانية فكأنّما قرّب بقرة ، ومن راح في الثالثة فكأنما قرّب كبشا ، ومن راح في الرابعة