أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

323

شرح مقامات الحريري

فنظر إليه نظر ليث العرّيسة ، إلى الفريسة . ثمّ أشرع قبله الرّمح ، وأقسم له بمن أنار الصّبح ، لئن لم ينج منجى الذّباب ، ويرض من الغنيمة بالإياب ، ليوردنّ سنانه وريده ، وليفجعنّ به وليده ووديده . فنبذ زمام الناقة وحاص ، وأفلت وله حصاص ، فقال لي أبو زيد : تسلّمها وتسنّمها ، فإنها إحدى الحسنيين ، وويل أهون من ويلين . قال الحارث بن همام : فحرت بين لوم أبي زيد وشكره ، وزنة نفعه بضرّه . فكأنه نوجي بذات صدري ، أو تكهّن ما خامر سرّي . فقابلني بوجه طليق ، وأنشد بلسان ذليق : [ مجزوء الرمل ] يا أخي الحامل ضيمي * دون إخواني وقومي إن يكن ساءك أمسي * فلقد سرّك يومي فاغتفر ذاك لهذا * واطّرح شكري ولومي ثم قال : أنا تئق ؛ وأنت مئق ، فكيف نتّفق ! وولّي يفري أديم الأرض ، ويركض طرفه أيّما ركض ، فما عددت أن اقتعدت مطيّتي ، وعدت لطيّتي ، حتى وصلت إلى حلّتي ، بعد اللتيّا والّتي . * * * العرّيسة : مأوى الأسد . والفريسة : الصيد يفترسه ، أي يكسر عنقه ، وهي أكيلة الأسد . أشرع : صوّب . أنار : نوّر . ينج منجى : يخلص مخلص ، وشبه خلوصه بخلوص الذباب ، لأنه يقع على الجسد أو الطعام فيتقذّر الإنسان بمقرّه فيشرده ، وهو واجد عليه ، فينجو الذباب ، سالما بعد أذايته . [ مما قيل في الذباب والبعوض شعرا ] وأخذه من قول إبراهيم بن العباس الصولي لمحمد بن الزيات : [ المتقارب ] كن كيف شئت وقل ما تشا * وأبرق يمينا وأرعد شمالا نجا بك قومك منجى الذباب * حمته مقاذيره أن ينالا وأخذه إبراهيم من قول الآخر : [ السريع ] أسمعني عبد بني مسمع * فصنت عنه النّفس والعرضا ولم أجبه لاحتقاري له * ومن يعضّ الكلب إن عضا ! ومن قول الآخر : [ البسيط ] قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا * للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا