أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
309
شرح مقامات الحريري
المقامة السّابعة والعشرون وهي الوبريّة حكى الحارث بن همّام ، قال : ملت في ريّق زماني الّذي غبر ، إلى مجاورة أهل الوبر ؛ لآخذ أخذ نفوسهم الأبيّة ، وألسنتهم العربيّة ، فشمّرت تشمير من لا يألو جهدا ، وجعلت أضرب في الأرض غورا ونجدا ؛ إلى أن اقتنيت هجمة من الرّاغية وثلّة من الثّاغية ، ثمّ أويت إلى عرب أرداف أقيال ، وأبناء أقوال ، فأوطنوني أمنع جناب ، وفلّوا عنّي حدّ كلّ ناب ، فما تأوّبني عندهم همّ ، ولا قرع صفاتي سهم . * * * غبر : تقدم . أهل الوبر : أصحاب البوادي : الذين مالهم الإبل ، وكنى بالوبر عنها . الأبيّة : العزيزة التي تأبى الذلّ ، يألو جهدا : يقصّر في الاجتهاد ، أضرب : أمشي في الأرض . وغورا ونجدا : مرتفعا ومنخفضا ، اقتنيت : اكتسبت لنفسي لا للبيع . وشرح الحريري ألفاظا في المقامة فنقتصر فيها على شرحه إلا بقدر ما يزيد الكلام بيانا ، مثل قوله : آخذ أخذ نفوسهم ، أي أتخلّق بأخلاقهم وطباعهم ، ويقال لو كنت مثلنا لأخذت بأخذنا ، بكسر الهمزة وفتحها ، أي بخلائقنا وشكلنا ، واستعمل فلان على الشأم وما أخذ أخذه ، أي وما والاه وكان حيّزه ، وقوله : إرداف أقيال ؛ يفسّر القيل بالملك وبردف الملك ، وقيل : القيل بالمشرق كالقائد بالأندلس والرّدافة في الجاهلية كالوزارة في الإسلام ، والرّدافة : بأن يرتدف مع الملك على مركوبه ، وأن يستخلفه في موضعه متى غزا ، أويت : رجعت واتخذته مأوى ، أوطنوني : أنزلوني . جناب : جانب ، فلّوا : كسروا . ناب : ضرس . تأوّبني : أتاني ليلا ، ولا قرع صفاتي سهم ، أي لم ينلني ضرّ . * * * إلى أن أضللت في ليلة منيرة البدر ، لقحة غزيرة الدّرّ ؛ فلم أطب نفسا بإلغاء طلبها ، وإلقاء حبلها على غاربها ؛ فتدثّرت فرسا محضارا ، واعتقلت لدنا خطّارا ، وسريت ليلتي جمعاء ، أجوب البيداء ، وأقتري كلّ شجراء ومرداء ، إلى أن نشر الصّبح راياته ، وحيعل الدّاعي إلى صلاته ، فنزلت عن متن الرّكوبة ، لأداء