أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
307
شرح مقامات الحريري
والاقتدار ، لا على أنها من نفيس الكلام الفصيح ، ألا ترى الحريريّ كيف اعتذر في مثلها حيث قال : أجلّ الأبيات العرائس ، وإن لم يكن نفائس ؛ ولا شك أن الشارح لمثل هذه الرسالة يقارب تعب منشئها في أنه يغوص على تلك الاستعارات البعيدة ، فيريد أن يبرز المعنى في غاية البيان ، واللفظ في أغلبها موضوع على غاية الإبهام ، فوقع التمانع ، فلا يصل إلى عبارة متوسطة تتعلق بالمعنى ، ولا تبعد من اللفظ إلا بعد جهد ، فهذا عذرنا في هذه الرسالة الرقطاء والقهقرية والخيفاء المتقدمتين ، وما علمت أحدا شرحها شرحنا ولا بلغ منها مبلغنا ، وللّه منشئها من عالم بارع ! فما اتفق له إنشاؤها إلا بعد التبحّر في علوم اللغات حتى كأنّ أبا حفص بن برد يخاطبه بهذه الأبيات : [ البسيط ] أبا العلاء استمع تعريض ذي مقة * أهدي لك الودّ محضا غير مقطوب أنت الذي لم نعاشر مثله رجلا * في العلم والظرف والآداب والطيب تحصيل فضلك للحسّاد معجزة * وكنه علمك شيء غير محسوب أمّا اللغات فما يعقوب يبلغ ما * وعيت منها ولا أشياخ يعقوب * * * قال : فلمّا استشفّ الأمير لآليها ، ولمح السّرّ المودع فيها ، أوعز في الحال بقضاء ديني ، وفصل بين خصمي وبيني ، ثمّ استخلصني لمكاثرته ، واختصّني بأثرته ، فلبثت بضع سنين أنعم في ضيافته ، وأرتع في ريف رأفته ؛ حتّى إذا غمرتني مواهبه ، وأطال ذيلي ذهبه ، تلطّفت في الارتحال ، على ما ترى من حسن الحال . قال : فقلت له شكرا لمن أتاح لك لقيان السّمح الكريم ، وأنقذك من ضغطة الغريم ، فقال : الحمد للّه على سعادة الجدّ ، والخلوص من الخصم الألدّ ، ثم قال : أيّما أحبّ إليك ؟ أن أحذيك من العطاء ، أم أتحفك بالرسالة الرّقطاء ، فقلت : املاء الرسالة أحبّ إليّ ، فقال : وهو وحقّك أخفّ عليّ ، فإنّ نحلة ما يلج في الآذان ، أهون من نحلة ما يخرج من الأردان . ثمّ كأنّه أنف واستحيا ، فجمع لي بين الرّسالة والحذيا ، ففزت منه بسهمين ، وفصلت عنه بغنمين ، وأبت إلى وطني قرير العين ، بما حزت من الرسالة والعين . قوله : استشفّ ، نظر ، لآليها : جواهر كلامها ، لمح : رأى . المودع : المضمّن المجعول ، وعنى بالسرّ ما ذكر من النقط لحرف والترك لآخر ، أوعز : تقدم ، فصل : قطع ، استخلصني : ضمني وأنقدني منه . لمكاثرته : لزيادة عدده ، يريد أن الأمير خلّصه من غريمه وضمه إليه ، وجعله فيمن حواليه فكثروا به . اختصني بأثرته : أفردني