أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
276
شرح مقامات الحريري
عناه : ما أراده ، يريد أنه لما قال : لن يسترني ، إنما أراد لن يستر عليّ هذه الحيلة التي أريد بها خداع الناس بعد ما عرفها إلا من هو كما وصف . وقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « من رأى عورة أخيه فسترها كان كمن أحيا موءودة من قبرها » « 1 » . ساءني : شقّ عليّ . يعانيه : يقاسيه . اقشعرار : انقباض وارتعاد . عمدت : قصدت . رياشي : لباسي . نضوتها : جرّدتها . افتراها : اتخذها . جنّة : سترا ووقاية . واقيا : صائنا . مهجتي : نفسي . وقّي : كفي . الجنّة : الجنّ . سندس : ثياب خضر . * * * قال : فلمّا فتن قلوب الجماعة ، بافتنانه في البراعة ألقوا عليه من الفراء المغشّاة ، والجباب الموشّاة ، ما آده ثقله ، ولم يكد يقلّه ، فانطلق مستبشرا بالفرج ، مستسقيا للكرج ، وتبعته إلى حيث ارتفعت التقيّة ، وبدت السّماء نقيّة ، فقلت له : لشدّ ما قرسك البرد . فلا تتعرّ من بعد ، فقال : ويك ! ليس من العدل ، سرعة العذل ، فلا تعجل بلوم هو ظلم ، ولا تقف ما ليس لك به علم ؛ فو الّذي نوّر الشّيبة ، وطيّب تربة طيبة ، لو لم أتعرّ لرحت بالخيبة ، وصفر العيبة . * * * افتنانه : تنوّعه . البراعة : الجودة والفصاحة . المغشاة : المغطّاة بغيرها من الثياب . الموشّاة : المزيّنة بالرقم . آده : أثقله . يقلّه : يرفعه . مستسقيا : داعيا بأن يسقيها اللّه تعالى . التقية : الخشية . قوله : بدت السماء نقية ، مثل ضرب لخلوّ الموضع من الناس وظهوره فيه وحده . ويك ، أي عجبا لك . العذل : اللوم . تقف : تتبع ، يقال : قفوت أثره أقفوه قفوا ، إذا تتبعته ، ومنه : قفا فلان فلانا إذا أتبعه بكلام قبيح ، ويقال : قفاه بالتخفيف . أبو عبيدة رحمه اللّه تعالى : أصل القفو والتّقافي : البهتان يرمي به الرجل صاحبه ، واحتج بحديث حبان بن عطية : « من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه اللّه تعالى في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج » « 2 » . قال الفراء رحمه اللّه تعالى : القفو : مأخوذ من القيافة ، وهو تتبع الأمر ، يقال : قاف القائف يقفو قيافة ، فهو قائف ، بتقديم الفاء على الواو ، كما قالوا في جذب : جبذ ، وقرئ : وَلا تَقْفُ [ الإسراء : 36 ] مثل تقل . نوّر : بيّض .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب 24 ، وأبو داود في الأدب باب 38 ، وأحمد في المسند 4 / 147 ، 153 ، 158 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 82 .